الخروج الاخير منال عباس
بعد ربع ساعة، ظهر موظف من إدارة البرج، ومعاه فرد أمن، اللي كان موجود امبارح وقت تغيير الكالون. اتكلموا بمنتهى الذوق.. ذوق عامل زي الحيطة اللي متقدرش تخرمها.
نيرة فتحت الباب "موارب" بس، عشان يبان إنها مش بتسمح لهم بالدخول، ووقفت والظرف في إيدها.
الموظف قال: "صباح الخير يا فندم، جالنا بلاغ بخصوص مشكلة في الدخول للشقة."
بهيرة هجمت في الكلام: "دي غيرت الكوالين! ده بيت العيلة! ومش عاوزة تدخل صاحب البيت!"
الموظف سأل سؤال واحد بسيط: "مين المستأجر في العقد؟"
نيرة مدت إيدها بصورة العقد. اسمها هي.. هي وبس.
"أنا المستأجرة، وأنا اللي بدفع."
بهيرة كشت شوية بس لسه بتعافر: "دي متجوزة! وده جوزها!"
الموظف هز راسه بأسف: "يا فندم، الحالة الاجتماعية متغيرش بنود العقد. لو المستأجرة مش عاوزة تدخل حد، منقدرش نجبرها."
سامر قرب بتهور: "أنا مش حد! أنا جوزها!"
فرد الأمن رفع إيده بهدوء ومنعه: "يا أستاذ، المدام ليها الحق تحدد مين يدخل بيتها. لو فيه تهديد أو زعيق، الموضوع هيتحول لمحضر إزعاج، وأنا شايف إنكم بتضغطوا عليها."
نيرة حست براحة.. مش عشان "كسبت"، بس عشان لأول مرة العالم سمى الحاجات بأساميها: "ضغط". مش "مشاكل عائلية"، ولا "معلش استحملي". ده "ضغط".
بهيرة بصت لنيرة ب غل: "إنتي فاكرة نفسك أذكى مننا؟ فاكرة ورقك ده هينفعك؟ إحنا أهل!"
نيرة بصت لها بتركيز، وفهمت إن بهيرة مش بس عاوزة أوضة،
"يا طنط، الأهل مش يعني حق المصادرة.. الأهل يعني احترام الحدود. وإنتو معندكمش الحتة دي."
سامر حاول يغير نبرته، نبرة "السهوكة" اللي بيستخدمها لما الدنيا تضيق:
"نيرة، خلينا نتكلم بالعقل. افتحي ونتفاهم، هاخد أمي ونمشي.. بس مالكش حق تعملي كده، ده "كسرة" ليا."
نيرة كانت عاوزة تضحك.. كلمة "كسرة" طالعة منه كأن هو اللي كان مظلوم طول السنين دي.
"الكسرة يا سامر، لما تجيب عمال يهدوا مكتبي من غير إذني. الكسرة لما تقول "بيتي" على شقة أنا اللي شقيانة في تمنها. الكسرة لما تعاملني كأني فترة مؤقتة في حياتك.. دلوقتي إنت عاوزني أفتح عشان ترجع كل حاجة زي ما كانت."
قربت من عتبة الباب وقالت كلمتها الأخيرة: بقلم منــال عــلي
"يا سامر، إنت مش عارف مين اللي مسيطر على الوضع.. مش لأني قوية، بس لأنك عمرك ما سيطرت على حاجة. إنت كنت مجرد مستفيد من كرمي وصبري."
سامر وشه بقى أبيض، ملقاش كلام يقوله. الموظف اتدخل بذوق: "مدام نيرة، تحبي نطلب منهم يتفضلوا؟"
نيرة بصت لسامر، وحست بوجع من التعب، مش من الغل. تعب إنك مهما عملت، الشخص مش هيتغير لو هو مش عاوز.
"أيوة، يا ريت يمشوا."
بهيرة لسه كانت هترد، بس فرد الأمن أخد خطوة لقدام وشار لها على الأسانسير. وبس.. كل "السلطة" الوهمية بتنهار قدام القوانين الحقيقية.
أول ما مشيوا، نيرة قفلت الباب وسندت بضهرها عليه. لأول مرة تحس
كانت عارفة إن دي البداية بس. لسه فيه رسايل، ومكالمات، واتهامات، ودراما. سامر هيحاول مرة يهدد ومرة يشحت رضاها.
عشان كده، كملت طريقها. فتحت اللابتوب على فايل "الخروج الأخير". كان فيه كل حاجة موثقة. وكلمت المحامية بتاعتها:
"محتاجة استشارة.. قضية طلاق، وتصفية حسابات، ومحضر عدم تعرض. أيوة، النهاردة."
وبعدها عملت أصعب حاجة.. كتبت رسالة لنفسها: بقلم منــال عــلي
"أنا مش مجبرة أثبت قيمتي بفلوسي ولا بصبري. الجواز مش كارت أخضر لاستغلالي. الحدود مش قسوة، الحدود هي احترام للنفس."
وبعدها سمحت لنفسها تعيط.. عياط قليل وهادي. مش ندم على سامر، بس ندم على الوقت اللي ضاع وهي بتبني وهم لشخص مبيفهمش يعني إيه "شريك".
الرسايل بدأت تهل.. سامر: "إنتي زودتيها أوي". بهيرة: "هتندمي". سامر تاني: "أنا ماليش مكان أنام فيه، إنتي بجد رمتيني؟".
نيرة مردتش. عملت اللي عمرها ما عملته: سابت لنفسها وقت "تحس" بس.
الظهر، سامر اتصل. ردت عشان تنهي الوهم الأخير. بقلم منــال عــلي
"نيرة، إنتي بجد عملتي كده؟ بجد شايفة إني كنت بستغلك؟"
"أيوة يا سامر، شايفة ومستيقنة."
"بس أنا بحبك!" قالها وكأنه مصدق نفسه.
"الحب مش هو اللي بتحسه لما تبقى مستريح.. الحب هو تصرفاتك لما الدنيا تضيق. الحب هو الاحترام.. وإنت معملتش كده."
"أنا بس.. اتعودت إنك قوية."
"مش مبرر. قوتي مكنتش
"عاوزة تطلقي؟" صوته بقى همس.
"أنا عاوزة "شريك".. مش حد بيخلط بين الشراكة والسبوبة. أيوة يا سامر، عاوزة أطلق."
سامر سكت، وبعدها قال ببرود: "إنتي اللي هديتي البيت."
"لأ يا سامر.. أنا مهدتوش، أنا بس بطلت أبنيه لوحدي."
وقفلت السكة. بقلم منــال عــلي
الشهور اللي بعد كده كانت صعبة.. محاميين، ورق، قضايا. بس الأصعب كان إنها تتعود إن مفيش حد هيقتحم حدودها تاني.
بعد كام شهر، نيرة فضلت في شقتها، بس مبقتش تقول عليها "شقتنا". رجعت مكتبها، ورجعت خشب الجوز، ورجعت الهدوء. وفي يوم، علقت يافطة صغيرة على باب المكتب مكتوب عليها كلمتين بس: "مشغول".
قعدت مع صاحبتها في المكتب بتشرب شاي، صاحبتها سألتها: "ندمانة؟"
نيرة افتكرت الزعيق في الممر، وافتكرت العمال، وافتكرت سامر وهو بيقول "بيتي".
"ندمانة إني استنيت كل ده. كنت فاكرة إن الصبر فضيلة، وطلع إن الصبر من غير حدود هو اللي بيخلي اللي قدامك ميكبرش أبداً." بقلم منــال عــلي
"ودلوقتي؟"
"دلوقتي عايشة بحيث مفيش حد يفتكر كرمي "اشتراك مجاني" في حياتي. بيتي بقى فيه مكان "ليا".. مش لأطماع حد تاني."
العبرة من الحكاية:
لو اللي قدامك بيحبك بس وإنتي بتدفعي، وإنتي بتشيلي، وإنتي صابرة.. يبقى ده مش حب، ده "عقد" إنتي اللي مضيتي عليه لوحدك. أحسن وقت تقطعي فيه العقد ده هو اللحظة اللي تحسي
إيه رأيك في تصرف نيرة؟ هل كان فيه حل تاني غير اللي عملته؟