المطبخ كان بيطلع حراره
المطبخ كان بيطلع حرارة ورائحة السمنة البلدي والأكل الغالي اللي بيتحط قدام مالك، بس بالنسبة لي، القاعة كلها كانت عبارة عن تلاجة. نظرات أبويا كانت زي السكاكين، وأمي كانت ماسكة شنطتها بإيد بتترعش من الصدمة، وندى اختفت منها الضحكة وحطت إيدها على بؤها وهي بتتفرج عليا.
مالك مسك الشوكة والسكينة الصغيرة بفرحة، وعينيه لمعت وهو بيشوف طبق الاستاكوزا والاستيك نازلين قدامه بخدمة أسطورية من المتر بنفسه، بعد ما عرف إن الحساب يتفتح عليه سقف النادي كله.
ماما... هو كل ده ليا؟ مالك سألني بصوت طفولي بريء وهو بيحط حتة لحمة في بؤه.
طبطبت على كتفه وابتسمت ابتسامة هادية جداً كل يا حبيبي، الأكل ده مدفوع تمنه من زمان قوي... كُل وبالهنا والشفا.
في اللحظة دي، أبويا فاروق رزق، الراجل اللي هز محاكم مصر كلها بكلمة منه، قام من على حتة الاستيك بتاعته ومشي بخطوات سريعة ناحية تربيزتنا. وجهه كان جايب ألوان، وعروق رقبته بارزة. أمي ناهد جرت وراه وهي بتحاول تمسك إيده عشان الناس والمظاهر في النادي الأهلي، بس هو زق إيدها بغضب.
إنتي اتجننتِ يا مريم؟ فاروق قالها بصوت واطي ومحبوك بس مليان غل. إنتي بتقللي مني قدام إخواتي والناس؟ بتلغي أوردرات التربيزة الرئيسية عشان شحاتة فارغة؟
بصيت له
تقليل؟ قلتها بصوت هادي ومسموع. اللي يقلل من حفيدُه عشان كام ألف جنيه، هو اللي بيقلل من نفسه يا فاروق بيه. إنت قعدت ابن ابنك جنب باب المطبخ ورميت له عيش ناشف، واست خسرت فيه لقمة نضيفة، في حين إن كلبة ندى بتاكل استيك على التربيزة الرئيسية. يبقى مين اللي قلل من مين؟
أمي تدخلت وبصوت حاد وهي بتهز إيدها اخشي على طولك يا بت! أبوكي ده اللي عملك وده اللي شالكم كلكم! جاية في ليلة تكريمه بعد أربعين سنة خدمة وتعملي شو رخيص عشان عيل؟ إنتي فاكرة نفسك مين؟ إنتي هنا بعطفنا!
عطفكم؟ ضحكت ضحكة قصيرة مفيهاش أي أمل. هو العطف ده اللي خلاني أدفع لندى إيجار شقتها ثلاث سنين متواصلة من مرتبي؟ هو العطف ده اللي خلاني أسدد ديون الفيزا كارد بتاعتها لما كانت هتتحبس؟ ولا العطف ده اللي خلاني أبيع صيغتي عشان أدفع مصاريف مستشفى لما أبويا جاله الأزمة القلبيّة من خمس سنين، وقليتوا لي إنتي الكبيرة ولازم تشيلي؟
ندى كانت قربت من التربيزة وهي شايلة الكلبة بتاعتها، ووشها أحمر من الكسوف لأن الناس في التربيزات القريبة بدأوا يلتفتوا ويهمسوا.
إنتي بتمنّي علينا يا مريم؟ ندى قالتها بتبجّح. ما كلنا
بصيت لندى بابتسامة مرعبة... ابتسامة حد مبقاش عنده حاجة يخسرها.
الشركة اللي أبويا شغلني فيها يا ندى، كانت بتفلس من سبع سنين. وأنا اللي قعدت أظبط الدفاتر وأحل الأزمات المالية وأسهر للصبح عشان اسم فاروق رزق يفضل عالي والمحامين القبار يفضلوا يبعتولنا قضايا. إنتي ما تعرفيش حاجة عن الشغل يا ندى، إنتي تعرفي بس تأخدي كروت الفيزا وتروحي تسحبي منها.
أبويا مسك إيدي بجلف قومي خدي ابنك وغوري من هنا. مالكيش مكان وسطنا. وبكرة الصبح تصفي حساباتك في المكتب وترجعيلي كل أوراق الشركة. إنتي مطرودة يا مريم.
سحبت إيدي من مسكته بالراحة، وبصيت له بكل برود سيب إيدي يا فاروق بيه. وأنا فعلاً ماشيّة، بس مش عشان إنت طردتني... أنا ماشية عشان القرف اللي هنا خنقني. ومالك هيركب معايا العربية بعد ما يخلص أكله.
التفت للويتر وقلت له تغلف باقي الأكل بتاع الأستاذ مالك في علب، والحساب يتقيد على حساب الأستاذ فاروق رزق الرقم الشخصي... مش الشركة.
أبويا اتجمد في مكانه، وأمي بصت له وهي مش فاهمة التلميح. أنا أخدت مالك من إيده، وهو ماسك علبة الأكل، ومشينا بين التربيزات مرفوعين الراس.
الساعة كانت واحدة بعد منتصف الليل.
مالك كان نام في سريره في شقتنا الصغيره بمدينة نصر، غطيته وبست راسه وهو حاطط إيده تحت خده ومبتسم، كأنه كان حاسس إن أمه جابت له حقه لأول مرة في حياته.
نزلت الصالة، قعدت على المكتب القديم، وفتحت اللاب توب.
الكلمات اللي قالها أبويا قبل ما أمشي كانت بتزن في دماغي بكرة الصبح تصفي حساباتك في المكتب وترجعيلي كل أوراق الشركة.
هو كان فاكر إن تهديده بالدُفاتر والطرد هيخليني أرجع أترجاه وأبوس إيده عشان يسيبني في شغلي. هو فاكر إن الدفاتر اللي تحت إيدي مجرد أرقام أرباح وخساير لعيادة أو مكتب محاماة.
فتحت الفلاشة السودا الصغيرة اللي كنت شايلاها معايا في سلسلة مفاتيحي بقالها سنتين... الفلاشة اللي كنت رافضة أفتح ملفاتها أو أستخدمها لأن قلبي كان بيوجعني على اسم عيلتي. بس الليلة دي، كل المشاعر ماتت.
نوّرت الشاشة بالملفات المترتبة. وجنب اللاب توب، طلعت الدفتر الأسود... أجندة جلد سودا صغيرة، كانت بتاعت جدي الله يرحمه، وأنا ورثتها منه، وكنت بكتب فيها كل قرش دخل وخرج، كل شيك اتوقع، وكل تحويل بنكي أتعمل بإيدي بناءً على
بدأت