العربيات المصفحه السودا
العربيات المصفحة السوداء وقفت ورا بعضها بانتظام مرعب، صفيحها الصقيل يعكس أضواء السراين الزرقاء والحمراء اللي كانت بتمسح جدران الفيلا رقم 7. الأبواب الاتنين الخلفيين للعربية الرئيسية اتفتحوا في وقت واحد. الشارع كله كتم أنفاسه، الجيران اللي واقفين بالموبايلات نزلوا إيديهم شوية من الخضة، حتى فريدة عدلت روبها الستان الحرير وشعرها المصبوغ وبصت بابتسامة نصر مشفوعة بغرور عمياء، متوقعة إن سيادة اللواء هيطلع يلغي وجود مريم وعيلتها من المجمع السكني ده بكلمة واحدة.
أول رجل خرجت من العربية كانت جزمة جلد سوداء بتلمع، وبعدها قام راجل بفردة طول هيبة، شعره الأبيض على الجانبين مع بدلة رسمية سوداء ونجمة ونشرة الضباط الكبار متدلية من ياقة جاكيته. الراجل ده ما كانش غير اللواء طارق الدسوقي.. مدير الأمن الجديد لقطاع القاهرة الجديدة، وزوج مريم.
فريدة أول ما شافته، وبدون ما تدي فرصة لأي حد يتكلم، تحركت بكل اندفاع وصوتها الرنان العالي يسبق خطواتها: "يا سيادة اللواء! الحمد لله إنك جيت بنفسك! الشارع ده كان هيضيع مننا، فيه ناس بياعين وبيشتغلوا خدامين دخلوا المكان ده وزوروا أوراق، وأنا بطلب من حضرتك كـ رئيس مجلس إدارة الكومبوند إنك..."
طارق ما بصش لفريدة ولا إداها أي اعتبار. كأنه عدى جنب شجرة أو عامود نور. مشي بخطوات منتظمة ومستقيمة لحد ما وقف قدام الحاج رفعت اللي كان واقف ساند على عكازه. طارق ضرب ضربة قدم حاسمة ورفع
الحاج رفعت هز راسه بهدوء وابتسامة وقار ارتسمت على وشك: "عاش من شافك يا طارق.. جيت في وقتك، عشان فيه ناس هنا فاكرين إن الشرف بيتباع في السوبر ماركت."
صدمة شلت الشارع. فريدة وقفت في مكانها كأن حيطة خرسانة نزلت على دماغها. عينها كانت بتتنقل بين اللواء طارق، وبين الراجل الكبير اللي كانت من شوية بتقول عليه "قاعد من غير أوراق".
طوفان الصدمة ما وقفش هنا. طارق التفت لمريم، ونظرة الفخر في عينيه كانت أوضح من الشمس. قرب منها، وطبع بوسة خفيفة على إيدها قدام الشارع كله وقال بصوت واصل لأخر زقاق: "أسف إن اتأخرت عليكِ يا مريم.. كانت مراسم الحلفان في الوزارة طالت شوية. بس مبسوط إنك واقفة بطولك زي العادة."
الجيران بدأت همهماتهم تزيد، تليفونات العيال الصغيرة نزلت ونظرات الشماتة في فريدة بدأت تظهر في عيون كل اللي كانوا خايفين منها. فريدة بلعت ريقها بالعافية، وشها بقي أصفر زي الورق الناشف، وحاولت تلملم بقايا كبرياء المكسور: "يا.. يا سيادة اللواء.. أصل أنا.. أنا ما كنتش أعرف إن المدام مرتك.. هي كانت بتقول إنها بتنضف الفيلات وده مخالف لـ..."
هنا مريم رفعت راسها. حطت إيدها في جيب بنطلونها، وطلعت الظرف الأبيض، وشالت منه النسر الذهبي الصغير وعلقت الدبوس على ياقة بلوزتها. الضوء ضرب في الدبوس لمع بشدة.
مريم بصت لفريدة وقالت بصوت هادي
السكتة اللي خيمت على الشارع المرة دي كانت أرعب من السكتة الأولى.
مفتش الداخليات اللي كان واقف مع البوكسات قرب خطوة وطلع فايل أسود من شنيطته وداه للواء طارق. طارق فتح الفايل، وقرأ كم صفحة، وبعدين بص لفريدة بنظرة خلتا ترجع خطوتين لورا من الخوف.
"فريدة الهواري.." طارق قال اسمها بصوت جاف خالٍ من أي رحمة. "أنتِ مش بس متهمة بالسب والقذف والتحريض والتعدي على حرمة الحياة الخاصة لمواطنين الشرفاء.. أنتِ المقبوض عليكِ حالاً بناءً على إذن النيابة العامة بتهمة إدارة شبكة تهريب وتحويل أموال غير مشروعة، واستغلال عقارات الكومبوند في أعمال غسيل أموال لصالح منظمات مشبوهة."
"إيه؟! كذب! ده كذب وتلفيق!" فريدة صرخت وصوتها يترعش، وجسمها كله بدأ يتهز. "أنا فريدة الهواري! أنا جوزي عضو مجلس إدارة بنك...!"
"جوزك اتثبتت عليه التهمة واتقبض عليه من نص ساعة في مكتبه في التجمع الخامس،" المفتش قالها ببرود وهو بيطلع الأساور الحديدية (الكلابشات).
الأمين قرب من فريدة، وجر إيدها لورا. صوت رنة الحديد
"مريم! الحقيني يا مريم! أنا جارتك! كلمي جوزك!" فريدة كانت بتصرخ وهي بتتجر للبوكس.
مريم وقفت جنب أبوها الحاج رفعت وطارق. بصت لفريدة وقولتلها بنفس العبارة اللي فريدة قالتها لها الصبح: "الخدامة ما تمشيش من البوابة الرئيسية يا هانم.. بس البوكس بيطلع من البوابة الخلفية عشان الشارع يفضل نظيف."
البوكس قفل بابه برزعة قوية، والمواكب تحركت. الشارع فضي من الشرطة، بس الموقف ساب أثر لا يمكن يتمسح. الجيران بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني وخوفهم واحترامهم لمريم ولعيلتها أضعاف مضاعفة.
طارق بص لمريم وابتسم: "مبروك التكليف الجديد يا سيادة الضابط.. جاهزة للبلاغ الثاني؟"
مريم بصت لطارق بستغراب: "بلاغ ثاني إيه؟"
طارق قرب منها وقال بصوت واطي ومريب: "الملف اللي كان مع فريدة ما كانش بتاعها لوحدها.. الكومبوند ده تحته سرداب متوصل بـ 4 فيلات تانية، والأوراق بتقول إن العقار رقم 7 اللي إحنا ساكنين فيه.. هو المدخل الرئيسي للغرفة السرية اللي فيها الخزنة!"
مريم بصت لأبوها الحاج رفعت، اللي ابتسم سراً وطلع مفتاح قديم جداً من جيبه وقال: "وأنا مستني اليوم ده من 20 سنة يا طارق.. ادخلوا افتحوا السرداب، لأن اللي جوه مش فلوس.. اللي جوه حقيقة هتزلزل