عمي متولي
المفتاح الصغير اللي كان عمي متولي ضاغط عليه بكف إيده وهو جثة هامدة على كرسيه خشبي القديم في صالة الدور الثالث، ما كانش مجرد حتة حديدة مصدية، ده كان الصدمة اللي هزت أركان بيت شبرا كله، والسر اللي بيفتح باب أرشيف العيلة المقفول بالضبة والمفتاح من عشرين سنة.
بعد يوم الخناقة والصويت على ال 200 ألف جنيه، كانت الأجواء في البيت أتقل من الغمة. الحجة صفية كانت قاعدة في الأرضي بتنطم وتحسبن، وسامح وندى حبسوا نفسهم في أوضتهم مع شنطهم الملفوفة، يلموا كرامتهم المتهانة ويستنوا الصبح عشان يمشوا، وطارق جوزي قاعد في البلكونة يدخن سجارة ورا سجارة وهو ساكت، سكوت عاجز بيحرق دمي.
في الليلة دي بالذات، حصلت الحجة الغريبة اللي محدش عرف يفسرها.. فريدة بنتي، البنت اللي بقالها شهور بتصرخ وتتنفض أول ما الليل يظلم وترفض تنام، نامت!
حطت رأسها على المخدة الساعة عشرة، وما فتحتش بقها ولا بكلمة. مفيش صريخ، مفيش ما تقفليش الباب يا بابا، مفيش ترجّي ولا دموع. كانت نايمة بعمق غريب، كأن في سر أترسّخ في البيت وهدّى الرعب اللي كان بيطاردها كل ليلة. أنا وطارق بصلنا لبعض باستغراب، ونمنا وإحنا خايفين من الهدوء ده.. الهدوء اللي اتضح إنه كان الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
الصبح بدري، على فجر ربنا، النور كان لسه بيشق السماء بالعافية. فريدة صحيت لوحدها، وقفت جنب سريري وشدت غطايا ببراءة وقالت بصوت واطي ماما.. جدو متولي قاعد فوق ومش راضي يطفي النور،
اتنفضت من سريري. طارق قام مفزوع. طلعنا نجروا على السلم لدور الكراكيب في الدور الثالث.. النور كان قايد فعلاً. عمي متولي كان قاعد على كرسيه الهزاز القديم، ظهره مفرود، ورأسه مايلة شوية على جنب كأنه مستريح بعد شقا العمر. قرب طارق منه وهو بيترعش يابا؟.. يا حاج متولي؟.. حط إيده على كتفه، لقيته تلج.
الصدمة نزلت علينا زي الصاعقة. طارق وقع على ركبه وهو بيصرخ باسم أبوه، وأنا مسكت بقائي عشان فريدة ما تتفزعش، بس عيني جت على إيد عمي متولي اليمين.. كانت مقفولة بقوة، متيبسة على حاجة جوة كفه. قربت ببطء، وبصعوبة بالغة فتحت صوابعه الميتة.. لقيته ماسك مفتاح نحاس صغير، شكله قديم ومختلف عن كل مفاتيح البيت.
الصويت ملا البيت، الحجة صفية طلعت وهي بتلطم على وشها متولي! سيبتني لمين يا متولي!، وسامح نزل يغطي أبوه ويدور على دكتور، والشارع كله اتملى ناس. وفي وسط الزيطة والدفنة والميتم اللي اتنصب في الشارع، أنا كنت واقفة بعيد، صابعي ضاغط على المفتاح الصغير اللي في جيبي. كلام عمي متولي الأخير كان بيرن في ودني عشان حتى الشجر يا فريدة محتاج يرمي الحمل اللي مش قادر يشيله. كان يقصد إيه؟ وليه مات وهو ماسك المفتاح ده؟
بعد ثلاثة أيام من العزا، والبيت زي المقبرة. الحجة صفية انطوت على نفسها في أوضتها، مش بتكلم حد بس نظراتها لندى وليا كانت لسه مليانة شك وسم. الشك إن واحد فينا هو اللي سرق
الساعة كانت اتنين بالليل. طارق كان نايم من كتر التعب والغم، وفريدة نايمة جنبه. مسكت الكشاف الصغير والمفتاح النحاس، وطلعت السلم ببطء والدور الثالث بيزيق تحت رجلي.
الدور الثالث كان عبارة عن صالة كبيرة مليانة عفش قديم، وفي أخرها أوضة مقفولة بسلسلة وقفل مصدي.. الأوضة دي من يوم ما دخلت البيت ده من سبع سنين، والحجة صفية كانت بتقول إنها مليانة كراكيب ومجلات قديمة ومحدش يدخلها عشان العفرة. قربت من القفل، حطيت المفتاح النحاس.. دخل بالظبط! لفيت المفتاح، سمعت صوت تكة القفل وهو بيتفتح بعد سنين طويلة.
فتحت الباب ببطء، ريحة التراب والورق القديم زكمت مناخيري. مسحت بالنور في الأوضة.. ما كانتش أوضة كراكيب! كانت أوضة مكتب مرتبة بشكل غريب، وفي النص كان في أرشيف حديدي ضخم، لون أخضر غامق، أربعة أدراج، وعليه قفل تاني بنفس المقاس.
قربت من الأرشيف، واستخدمت نفس المفتاح.. اتفتح الدرج الأولاني.
اللي لقيته جوة الأرشيف ده ما كانش مجرد أوراق، ده كان ملفات سوداء بتشرح كل خرابة وحزن عاشه البيت ده من سنين.
لقيت دوسيهات متستفة باسم كل واحد في العيلة
الملف الأول شركة العقارات أرض العتبة
فتحت الملف، لقيت عقود بيع ورسائل تهديد ومحاضر رسمية.. اتضح إن ورشة سامح اللي اتقفلت وشقته اللي باعها في العتبة ما كانش السبب فيها كساد السوق زي ما هو فاكر! الحجة صفية وشيماء أخت طارق، كانوا بايعين
الملف الثاني علاج فريدة والعيادة النفسية
دمي اتجمد وأنا بقرأ الملف ده.. تقارير طبية من دكتور نفساني للأطفال من سنتين! روچتات مكتوبة باسم فريدة وهي عندها 3 سنين! الحجة صفية كانت بتاخد فريدة من ورايا وهي صغيرة بحجة إنها بتفسحها، وكانت بتوديها لدكتور، والتقارير كانت بتقول إن فريدة بتتعرض ل ترهيب ليلي ممنهج!
لقيت شريط كاسيت صغير محطوط مع الملف، ومكتوب عليه بخط عمي متولي تسجيل غرفة الكراكيب.
طلعت جهاز كاسيت قديم كان محطوط على المكتب، وحطيت الشريط.. شغلته بصوت واطي جداً.
صوت صفارة هوى، وبعدين صوت الحجة صفية الواطي والحرش، وهي بتكلم حد في التليفون أيوة يا شيماء.. البت فريدة دي لازم تفضل خايفة من الضلمة وما تنامش لوحدها، طول ما مريم وطارق مشغولين بالبت وعياطها، طارق مش هيركز في حسابات الورشة ولا هيسأل عن نصيبه في أرض شبرا.. ولا هيعرف إننا بنسحب من رصيد أبوه لحساب جوزك!.
وبعدها صوت فريدة وهي بتصرخ وهي صغيرة يا تيتة لا.. ما تقفليش عليا الأوضة دي، الضلمة فيها يخوف!. وصوت صفية اسكتي يا بت! لو حكيتي لأمك، العفريت اللي في الضلمة هييجي ياكل أيدك!.
دموعي نزلت زي المطر.. دموع قهر وغضب يهد جبال. بنتي ما كانتش مريضة ولا بتتدلع! بنتي كانت بتتعرض لتعذيب