وقف اسلام في نص الصاله

لمحة نيوز

وسط البلد.
المكتب كان ريحته ورق قديم وقهوة بنادق. الأستاذ مجدي، راجل ستيني بشعر أبيض ونظارة قراءة، كان قاعد مستنيني وفي إيده ملف أسود.
صباح الخير يا هناء.. وشك ماله؟ سألني بنظرة تفحصية حادة لما شاف العلامة الزرقاء تحت عيني.
واقعة بسيطة يا أستاذ مجدي.. المهم، مين الراجل اللي سأل على الشقة؟
فتح الملف وطلع ورقة مكتوب فيها بخط الإيد الراجل اسمه طارق فرغلي.. مقاول وأعمال حرة من المطرية. ومعه صورة من توكيل عام بيع وإدارة صادرة باسم إسلام جوزك!
حسيت الدنيا بتلف بيا. توكيل؟ توكيل إيه؟ أنا عمري ما عملت لإسلام توكيل بيع وشراء!
الأستاذ مجدي عدل نظارته وبصلي بجدية شديدة عارف.. وعشان كده الراجل لما كشف على التوكيل في السيستم، الموظف قاله إن الرقم ده يخص توكيل عربية قديمة إنتِ بعتيها من 4 سنين، بس المعلم طارق معاه ورقة توكيل رسمية مزورة بالكامل، عليها ختم النسر، فيها بنود بتسمح لإسلام ببيع الشقة لنفسه أو للغير!
سندت ظهري على الكرسي. النفس كان طالع بالعافية. اللوحة اكتملت.
نوال ما كانتش بتدور على العقد عشان تحتفظ بيه بس.. نوال وإسلامأو نوال لوحدها وبصمة إسلامكانوا بيجهزوا لعملية بيع كاملة للشقة بموجب توكيل مزور، والعقد الأزرق كان ناقصهم عشان المقاول
يتأكد من أصل الملكية ويدفع العربون!
والعمل يا أستاذ مجدي؟ سألته بصوت خالي من أي طاقة.
ابتسم الأستاذ مجدي ابتسامة هادية، بس عينه كان فيها لمعة دهاء قديمة العمل إننا نلعب معاهم نفس اللعبة.. بس على أصولها. هما فاكرين إنك حتة بت يتيمة مالهاش ظهر، وما يعرفوش إن ستك فاطمة الله يرحمها، قبل ما تموت، كتبت الشقة دي بنظام غريب جداً.. نظام ما يعرفوش غير المحامين الكبار.
بصيتله باستغراب نظام إيه؟
ستك فاطمة لما اشترتلك الشقة بفلوسها، اشترتها بعقد بيع مع حق انتفاع مدى الحياة ليكي، وجعلت الرقبة أصل الملكية محبوسة لوقف أهلي مشهر لصالح دار أيتام في حالة وفاة المالك دون عقب أطفال.. يعني الشقة دي قانوناً، حتى لو معاكي العقد الأزرق، ما ينفعش تتباع ولا تتوثق في أي شهر عقاري إلا بحضور الناظر على الوقف.. اللي هو أنا!
غمضت عيني، وحسيت بصوت تيتا فاطمة بيرن في ودني إوعي يا بت يا هناء تحطي راحتك في إيد حد ما بيعرفش يصونها. كانت عارفة. كانت حاسة إن الزمان ده مالوش أمان، وإن البنت اليتيمة هتبقى مطمع.
طب وإسلام ونوال؟ سألت.
إسلام ونوال وقعوا في شر أعمالهم.. المقاول طارق فرغلي ده مش راجل سهل، ده مسجل خطر في قضايا نصل وتزوير، ودلوقتي هو دفع لإسلام أو لنوال عربون
200 ألف جنيه بموجب التوكيل المزور والعقد اللي صورتوه.. ولو البيعة ما تمتوش، أو اكتشف إن التوكيل مزور، طارق مش هيروح للنيابة.. طارق هيريروح لإسلام في بيته!
رجعت الشقة الساعة 12 الظهر.
أول ما فتحت الباب، لقيت الجو مشحون. نوال كانت قاعدة في الصالة ومولاية التليفزيون على آخره، وإسلام واقف في المطبخ بيعمل شاي. أول ما شافني دخلت، جيه عليا بملامح غاضبة ومستفزة.
كنتِ فين من الصبح يا هانم؟ زعق إسلام بصوت عالي عشان أمه تسمع. خارجة من السفرة من غير ما تقولي؟ وسايبة البيت يغلي؟
بصيتله ببرود تام. كنت برة بقضي مصلحة.
نوال اتكلمت من الصالة بنبرة شامتة سيبها يا إسلام.. البت دي فاكرة إنها كبرت وخلاص مالهاش كبير.. بس بكام يوم كده وهنعرف مين اللي له كلمة في البيت ده.
قربت من إسلام، وبصيت في عينه مباشرة إسلام.. إنت محتاج حاجة من المطرية؟
إسلام اتجمد. الكوباية اللي في إيده اتهزت وشاي اتدفق منها على إيده. مطرية؟ مطرية إيه؟
أصل وأنا راجعة، شفت عربية جيب سوداء واقفة تحت العمارة.. راجل عريض كده اسمه المعلم طارق.. كان بيسأل البواب عن شقة الأستاذ إسلام.
نوال اتفضت من مكانها في الصالة وجت جري على الممر، وشها أصفر زي الليمونة مين؟ طارق مين؟ إنتِ بتقولي إيه يا
بت إنتِ؟
بصيت لنوال وابتسمت ابتسامة صديدية مالك يا طنط اتخضيتي كده ليه؟ مش ده المقاول اللي إنتِ بعتيله صور العقد الأزرق إمبارح الساعة 530 بعد الضهر من الموبايل بتاعك؟
إسلام بص لأمه بصدمة حقيقية المرة دي أمي! إنتِ كلمتي طارق تاني؟ مش أنا قلتلك اصبري لما أتصرف؟
هنا الحقيقة ظهرت. إسلام ما كانش بريء.. إسلام كان عارف باللعبة، بس كان خايف، وكان ساب أمه هي اللي تنفذ وهي اللي تتوسخ إيديها، عشان لو حصلت مشكلة يرمي اللوم عليها ويقول أمي كبرت وما تفهمش!
إنت كمان كنت عارف يا إسلام؟ سألته بصوت هادي جداً، خالي من أي انفعال.
إسلام حاول يمسك إيدي، بس أنا رجعت خطوة لورا هناء.. أفهميني بس! الشقة دي كبشة فلوس مركونة، وأنا محتاج ندخل مشروع في السخنة مع المعلم طارق.. أنا كنت هاخد القرض بضمان الشقة وأرجعه في سنة من غير ما تحسي بأي حاجة! إحنا متجوزين، يعني مالنا واحد!
مالنا واحد؟ ضحكت.. ضحكة قصيرة وجافة زي ضحكة أمه لما رمت المفاتيح في وشي. بس الشقة مش مالنا.. الشقة ملكي أنا. بفلوس تيتا فاطمة اللي إنت وأمك شايفينها قرشين أيتام.
في اللحظة دي، خبط باب الشقة.
خبطات قوية، رزعة ورا رزعة هزت الباب الخشب، صوت معدن بيخبط في الباب.
نوال صرخت وحطت إيدها على بؤها.
إسلام ركبته خبطت في الثانية ولونه
تم نسخ الرابط