الخرسانه المسلحه
المعلم متولي اتلخبط، حط عبايته على دراعه وتقدم بخطوات مترددة وابتسامة صفرا: «خير يا سيادة اللواء؟ خير يا باشا؟ فيه حاجة في المنطقة؟ أنا المعلم متولي بتاع المقاولات، رئيس جمعية...».
اللواء حسان ما بصش في وشه أصلاً. مشي بخطوات تقيلة ومباشرة ناحية باب بيتي. أول ما شافني واقفة، وقّف، وشال الكاب من على رأسه احتراماً.
— السلام عليكم يا أم مصطفى.
— عليكم السلام يا سيادة اللواء.
بص حسان على الحوش. شاف الخرسانة الشديدة وهي بتغرق الحوض، وشاف خلاطة الأسمنت وهي لسه شغال موتورها بيجأر. عينيه اتقفلت بغضب مكتوم، ووشه احمر زي الدم. لف بشويش ورجع بص للمعلم متولي ونادية اللي كانوا واقفين زي الفراخ المبلولة.
— العربية دي تابعة لمين؟ — حسان سأل بنبرة هادية جداً، بس النبرة دي كانت أشد من صوت السارينة.
رئيس المباحث رد فوراً: «تابعة لشركة المتولي للمقاولات يا فندم، صاحبها متولي عبد العظيم اللي واقف قدامك ده».
اللواء حسان قرب من متولي. متولي كان طول بعرض، بس قدام هيبة حسان كان ينكمش ويبان قزم.
— أنت عارف أنت بتعمل إيه يا متولي؟ — سأله حسان.
— يا باشا.. دي.. دي مخالفت.. دي ست عاملة حاجة غير ترخيص في الشارع، وأنا بصفتي من أهالي المنطقة...
— أنت مين يا روح أمك عشان تطبق القانون بإيدك؟ — الصوت ده خرج زي القذيفة من حنجرة حسان، الشارع كله سكت تماماً،
متولي بلع ريقه بالعافية: «يا باشا أنا...».
— أنت اعتديت على ملكية خاصة، كسرت بوابات، استخدمت معدات ثقيلة بدون ترخيص، هددت أمن مواطنين وأطفال، وبتردم بيت رجل شريف مات وهو بيخدم البلد دي! — اللواء حسان اتلفت لرئيس المباحث وزعق: «يا حازم باشا!».
— تمام يا فندم!
— يتحفظ على العربية دي فوراً! وتتطلب عربية شفط وكسح للأسمنت ده قبل ما ينشف ويجمد! والجدع ده وزوجته يتركب في أيديهم الكلبشات فوراً!
نادية صرخت بصوت هيستيري: «كلبشات إيه يا باشا؟! أنت عارف أنا مين؟! أنا نادية الفقي! عضو في لجنة...».
اللواء حسان بص لها بنظرة واحدة جمدت الدم في عروقها: «أنتِ واحدة ست قليلة الأدب، استقويتي على أرملة ويتامى فاكرة إن مالهمش ظهر! بس وحياة نعمة ربنا، لأخليكي تلفي على الأقسام لحد ما تعرفي إن الله حق وإن البيت ده وراه رجال بتشيل الجبال!».
في لحظات، العساكر هجموا. الكلبشات اتقفلت في إيد المعلم متولي وفي إيد نادية. نادية كانت بتبكي وتصرخ وتترجى مريم: «يا مريم! يا أم مصطفى! أبوس إيدك قولي كلمة! إحنا جيران! المسامح كريم يا مريم!».
أنا وقفت ومسكت إيد مصطفى وندى اللي طلعوا وقفوا جنبي. بصيت في عين نادية وقلتلها بنبرة ميتة: «أنا استسمحتك إمبارح عشان خاطر ربنا وعشان خاطر أيتامي، وأنتِ قلتيلي الباطل صوتك عالي.. دلوقتي اسمعي
رجالة المطافي والشفط اشتغلوا فوراً. جابوا خراطيم مية ضخمة وطلمبات شفط، وبدأوا يشفطوا الأسمنت السايل قبل ما ينشف، ويغسلوا بلاط الحوض بمية نديدة. اللواء حسان كان واقف بنفسه يشرف على كل نقطة مية بتتنظف، وكأنه بينظف كرامة إبراهيم صاحب عمره.
الساعة جاب الساعة عشرة الصبح. الحوض رجع نظيف تاني، المية أه اتوسخت وشالوا الأسمنت، بس البلاط الأزرق اتكشف، ورسمة الفل اللي إبراهيم حفرها بإيده على الجنب طلعت تلمع تحت الشمس.
المعلم متولي ونادية اتحطوا في البوكس وانسحبوا قدام الشارع كله، اللي كان واقف يصفق ويهتف، لأن كل الجيران كانوا قرفانين من جبروتهم بس خايفين من نفوذهم وفلوسهم.
اللواء حسان قرب مني، حط إيده على رأس مصطفى وقاله: «أبوك كان أرجل رجل أنا شفته في حياتي يا مصطفى.. واوعى تخاف وطول ما أنا حي، محدش يقدر يمسك بشوكة». وبعدين بصلي وقالي: «القضية اتسجلت اعتداء، وتخريب منازل، وترويع أطفال، واستعمال قوة بدون وجه حق.. متولي ونادية مش هيشوفوا الشارع ده قبل سنتين سجناً، وشركتهم هتتقفل بسبب المخالفات اللي المباحث فتحتها النهاردة».
شكيرته ودعيت له، ومشي موكبه والشارع رجع يهدى.
عدى شهرين على اليوم ده.
الحارة بقت هادية تماماً. بيت نادية ومتولي بقى مقفول، مظلم كأنه مقبرة. والعيال رجعوا يلعبوا في الحوض، يتنططوا في المية الصافية
في يوم جمعة، بعد الصلاة، كنت واقفة في المطبخ بعمل غدا للعيال. السمك في الزيت بيطش، وصوت الشيخ محمد رفعت يغني في الراديو. مصطفى ومحمد وندى كانوا بيلعبوا في المية.
فجأة، سمعت صوت تخبيط هادي على البوابة الخارجية.. تخبيط مش زي تخبيط نادية ولا المباحث. تخبيط منتظم، خفيف، فيه حركة غريبة.
طلعت مسحت إيدي في الفوطة، ومشيت ناحية الباب.
فتحت الباب الشباك الصغير.. ما لقيتش حد واقف. الشارع كان فاضي تقريباً بسبب حرة الضهرية.
بس لما بصيت تحت على العتبة، لقيت ظرف أسود مقفول بختم شمع حمر، وجنبه وردة بلدي حمرا.. محطوطين فوق العتبة بالضبط.
وطيت أخدت الظرف. كان ثقيل. فتحته براحة..
جوة الظرف كان فيه ورقة كرتون مكتوب عليها بخط رقاط بال حبر أسود قديم:
«المعلم متولي ونادية كانوا مجرد أدوات يا مريم.. إبراهيم جوزك ما ماتش بالسرطان زي ما أنتِ فاكرة.. إبراهيم اتقتل ببطء لأن السر اللي جابه من الصعيد تحت الترعة كان أكبر من إنه يعيش بيه.. والنهاردة، دورك أنتِ والعيال عشان تدفعوا الثمن».
وتحت الكلام.. كانت فيه صورة قديمة لإبراهيم جوزي وهو شباب، واقف جنب رجل ملامحه مش باينة.. ومقصوص نصها!
رجلي ما شالتنيش، سندت على حيطة الحوش، وصوت ضحكات عيالي في المية كان بيعلى.. وكنت عارفة إن الكابوس اللي افتكرته انتهى.. كان