الخرسانه المسلحه
الخرسانة المسلحة كانت بتجري جوة الحوض زي الثعبان الرمادي، بتكتف المية وتطفي زرقانها، وكان صوت خلاطة الخرسانة بيهز جدران البيت الصغير كأنه بيتخلع من جذوره. صرخة ندى الصغيرة وهي بتصحى على الصوت كانت كفيلة تخلي الدم يغلي في عروقي بجد. العيال اتجمعوا ورايا في البلكونة، مصطفى ماسك في طرف جلابيتي وإيده بترتعش، وندى حاطة إيدها على ودنها ومغمضة عينها مش عايزة تشوف أثر أبوهما وهو بيتغطى بالطين والأسمنت.
نادية كانت واقفة تحت، حاطة إيد على وسطها والإيد الثانية ماسكة فيها كباية الشاي بنعناع، بتبصلي بابتسامة شامتة كأنها انتصرت في معركة حربية. وجوزها المعلم متولي، بتاع المقاولات، واقف بجلابيته البلدي وعبايته المرمية على كتفه، بيشاور للعمال بتكبر ويقولهم: «انزل بالكبشة يا واد، اردم العفن ده لما ننساه خالص!».
أنا ما صرختش تاني. ما عيطتش. فيه لحظات في العمر، حزن البني آدم بيتحول فيها لشيء صلب زي صخر الجرانيت. نزلت الشباك بشويش، وبصيت لمصطفى وقولتله بنبرة هادية غريبة حتى عليّ: «خد إخواتك وادخلوا الأوضة الجوانية، وما حدش يطل من الشباك مهما سمعتم».
نزلت على السلم بخطوات ثابتة. فتحت الباب الصغير بتاع الحوش، وطلعت وقفيت على العتبة. ما طالعتش في وش نادية ولا جوزها. مشيت بخطوة هادية ناحية عربية الخلاطة الضخمة اللي كانت قادمة من شركة "متولي
— صور براحتك يا مريم! — صرخت نادية وهي بتضحك بصوت عالي اسمع الشارع كله — صور عشان لما تروحي تشكي يعرفوا إن الله حق، وإننا بنطهر الشارع من العشش والعشوائيات اللي عملتوهالنا هنا!
المعلم متولي بصلها بغرور ورفع حواجبها: «سبيها تسجل يا حجة، هو حد يقدر يرفع عينه في المعلم متولي في المقاطعة دي كلها؟ القشاش هيسكت، والمركز عارف مين متولي!».
أنا ما رديتش. فتحت سجل المكالمات في تليفوني، ونزلت للأسماء اللي تحت خالص.. اسم ما استخدمتوش من خمس سنين، اسم كنت محتفظة بيه للزمن، زي كارت الجوكر اللي ما بيترفعش غير لما اللعبة تقرب تخلص.
ضغطت اتصال.
الرنة الأولى.. الثانية.. وفي الرنة الثالثة، جاني الصوت. صوت خشن، عميق، فيه هيبة تهز الجبال، صوت ما بتسمعوش غير في المجالس الكبيرة أو لما الحساب يبدأ.
— أيوة مين؟
— أنا مريم يا لواء حسان.. حرم المرحوم إبراهيم البنا.
الناحية الثانية سكتت لثانية واحدة، وبعدها الصوت تغير تماماً. الهيبة الفخمة دي اتحولت لنبرة فيها تقدير واحترام شديد، نبرة رجل بيفتكر دين قديم.
— مريم هانم؟ أهلاً يا بنتي.. خير يا رب، فيه حاجة؟ إبراهيم جراله
— إبراهيم مات من سنتين يا سيادة اللواء.. والنهاردة بيحاولوا يردموا أخر حاجة سابها لولاده.
خطوط التليفون كأنها اتقطعت لثواني من شدة الصمت. اللواء حسان النعماني، مساعد وزير الداخلية الأسبق، والرجل اللي إبراهيم جوزي أنقذ حياته وحياة ابنه في حادثة طريق الصعيد الزراعي القديم لما عربيتهم اتقلبت في الترعة وكان إبراهيم هو الوحيد اللي نزل في الطين والمية وغاطس لحد ما طلعهم واحد واحد قبل ما العربية تنفجر. يومها، اللواء حسان حط إيده في إيد إبراهيم وقاله قدام القرية كلها: «أنا مدين لك بعمري يا إبراهيم، ولو في يوم من الأيام ضاقت بيك الدنيا أو بشر عاداك، افتكر إن حسان النعماني سيفك في الظهر». إبراهيم عمره ما طلب منه حاجة، ومات وهو مش عايز غير ستر ربنا، بس أنا النهاردة كنت محتاجة السيف ده.
— قلتي إيه؟ — صوت اللواء حسان نزل زي الصاعقة — مين ده اللي بيتجرأ؟ أنتِ فين يا مريم؟
حكيت له كل حاجة في نص دقيقة. بالراحة، ومن غير دموع، وبكل تفصيلة. نمرة العربية، اسم شركة المقاولات، المعلم متولي، ونادية، واللي بيحصل في الحوش حالياً.
اللواء حسان ما سألش ولا سؤال تاني. قال كلمة واحدة بس بصوت هادي يقطع النفس: «خمس دقائق يا مريم.. اقفلي الباب وما تتكلميش مع حد».
قفلت الخط. نادية كانت لسه واقفة تتبغدد، وبتتكلم مع جارة ثانية طلعت على البلكونة تشوف
أنا رجعت خطوتين، وقفت ورا باب الحوش الخشب، وربعت إيدي.
الخرسانة كانت قربت تغطي نص الحوض. المية الصافية بقت عبارة عن طين ثقيل رمادي، والبلاط الأزرق اللي إبراهيم سهر فيه ليالي عشان يمسحه بالاسفنجة كان بيموت تحت الردم. قلبي كان بيتقطع، بس جوايا كان فيه يقين إن الحساب جاي، وجاي تقيل قوي.
مرت أربع دقائق.
وفجأة، الشارع كله اتهز. مش بصوت خلاطة خرسانة المرة دي.. بصوت سرينات شرطة!
مش عربية واحدة.. ولا اثنين. ثلاث عربيات بوكس، وراهم عربية مطافي ضخمة، وفي المأخرة عربية جيب سودة بفيميه أسود تقيل، نازلة تصرخ بالسارينة وتشق الحارة الشديدة.
الشارع كله وقف على رجل. الناس طلعت في البلكونات، والأطفال جريوا ورا العربيات. المعلم متولي وشه أصفر فجأة، والشاي يد نادية اتهزت فاندلق على جلابيتها الستان.
العربيات وقفت بقوة، وقفلت الدخلة والخرجة بتاعة الحارة. نزلت منها قوات أمن مركز، وعساكر، ورتب كبيرة بشرايط ونجوم. ونزل من العربية الجيب رجل في ستينيات عمره، شعره أبيض زي التلج، بس وقفته زي السيف، لابس بدلة سمرا وفوقها كاب عسكري.
اللواء حسان النعماني بذاته.
أول ما نزل، رئيس المباحث بتاع المنطقة جرى عليه وضارب له تعظيم سلام: «تمام يا فندم!