عقد مشروط منال عباس

لمحة نيوز


منفصلة، وبنتعامل بذوق بس بمسافة كبيرة. كنا اتنين أغراب في سكن واحد.
في الأول ده مكنش مضايقني، لأنه ده اللي اتفقنا عليه. بس مع الوقت، السكوت بدأ يبقى تقيل.
الراحة من غير هدف هي نوع تاني من الوحدة.. وبدأت أحس بالوجع ده كل يوم.
لحد ما لاحظت الترزي اللي كان بيجي مرتين في الأسبوع. كان بيشتغل في صمت، بدقة وصبر، بيحول القماش لحاجة تانية خالص.
انبهرت بالطريقة اللي بيشتغل بيها، كأن كل حتة قماش ليها قصة. الحاجة دي حركت جوايا حاجة كانت ميتة.
هو ده صعب يتعلم؟
رفع عينه باستغراب وبص لي ثواني قبل ما يرد.
كل حاجة صعبة.. لحد ما تبطل تبقى صعبة.
رده فضل في دماغي أيام. كان فيه معنى لمس قلبي، حتى لو مش فاهماه كله.
ممكن تعلمني؟
بص ناحية باب مكتب ياسين قبل ما يرد. كان بيقيس عواقب الطلب ده.
لو هو وافق، أنا أعلمك.
حسيت بحماس غريب جوايا. صغير، بس حقيقي. دي أول مرة من زمان أكون عايزة أتعلم حاجة بمزاجي.
بدأت براحة وبأخطاء كتير. صوابعي اتعورت كتير وقصيت قماش غلط، بس ما استسلمتش.
مع الوقت، بدأت أفهم الموديلات، المقاسات، والمنطق اللي ورا كل قطعة. الموضوع ما بقاش مجرد تسلية..
الموضوع بقى حاجتي أنا.
في يوم، ياسين رجع بدري ولقى الصالة غرقانة قماش، خيوط، وباترونات

مرامية في كل حتة. كنت في نص الزحمة دي بحاول أخلص قصة معينة.
أنا آسفة.. هلم كل ده حالاً.
ما ردش عليا في وقتها، وفضل يتفرج على المنظر ثواني. مكنتش عارفة هو بيفكر في إيه.
ومن غير ولا كلمة، لف ضهره ومشي. ده ساب في قلبي غصة، خفت أكون عديت حدودي.
قعدت الأيام اللي بعدها ساكتة، مستنية أي رد فعل. فكرت إنه ممكن يلغي الاتفاق في أي لحظة.
بس مفيش حاجة حصلت.
لحد الصبح ده..
فتحت باب كان دايماً مقفول، ووقفت مكاني مذهولة. ما كانتش أوضة عادية.. كان أتيليه.
كل حاجة متوزعة، نظيفة، ومتجهزة كأن فيه حد فكر في كل تفصيلة. مكن خياطة جديد، أرفف قماش، ومساحة كبيرة للشغل.
وعلى الباب، كان فيه لوحة صغيرة مكتوب عليها اسمي..
نادية فؤاد
قلبي بدأ يدق بسرعة وحسيت بحاجة بتكبر جوايا. حاجة مكنتش عارفة اسميها إيه.
لما لفيت، لقيته واقف هناك، ساند على الحيطة، وبيراقب رد فعلي بكل هدوء.
كنتِ محتاج مساحة عشان تشتغلي.
قالها كأنها حاجة بسيطة.. كأنه ما غيرش عالمي كله في اللحظة دي.
ما عرفتش أرد. فضلت أبص للمكان وبعدين أبص له، وأنا بحاول أفهم ده معناه إيه.
عشان ده.. مكنش في العقد.
ده كان اهتمام..
والاهتمام.. بيغير كل حاجة.
في اللحظة دي، فيه حاجة بدأت تتولد جوايا. حاجة مكنتش
متوقعة، خارج السيطرة، وخطر جداً على اتفاق زي بتاعنا.
لأول مرة من ساعة ما قبلت الجوازة دي.. مفكرتش في الفلوس.
فكرت فيه هو.
وهنا عرفت حاجة خوفتني أكتر من أي ريسك خدته.
يمكن.. الجواز المؤقت ده مابقاش مجرد اتفاق.
يمكن.. بدأت أحس بحاجة مش هعرف أسيطر عليها.
والأصعب.. إني مكنتش عارفة هو حاسس بنفس الحاجة ولا لأ.
بس في اللحظة دي بالذات.. اكتشفت حاجة أخطر بكتير. بقلم منال علي 
ليلتها، النوم ما عرفش يوصل لعينيا. فضلت ممددة على السرير، بس عقلي كان في الأتيليه.. وبفكر في معنى اللي حصل.
لأول مرة من ساعة ما دخلت البيت ده، محسيتش إني ضيفة. حسيت إني.. جزء من المكان.
بس مع الشعور ده.. جه الخوف. لأن كل ده مكنش مكتوب في العقد.
تاني يوم، حاولت أتعامل عادي. شربت قهوتي، ورتبت شوية حاجات، ورحت على الأتيليه عدل، كأنه مكاني من يوم ما اتولدت.
قضيت ساعات هناك، مركزة في قص القماش وتظبيط التفاصيل. كنت حاسة إن العالم اللي بره ده مش موجود طول ما أنا بشتغل.
لما رفعت عيني، لقيته واقف ساند على الباب. ساكت، وبيراقبني.
إنتِ هنا من الصبح.
هزيت راسي بكسوف شوية. مكنتش عارفة هو موافق على اللي بعمله ولا لأ.
أنا بحب الشغل ده رديت عليه بيخليني أحس إني.. ليّ لازمة.

ما ردش عليا في وقتها. دخل الأتيليه وبص على المكان كله، كأنه بيشوف نتيجة قرار هو اللي خده بنفسه.
يبقى كملي. بقلم منال علي 
الكلمتين دول رغم بساطتهم، بس كان ليهم طعم تاني. مكنش أمر.. كان إذن.
وكأنه بطريقة ما.. بيقولي إنه واثق فيّ.
الأيام عدت، وروتيني اتغير تماماً. مابقتش مجرد الست اللي بتظهر جنبه في الحفلات والمناسبات.
بقى عندي حاجتي.
حاجة معتمدة عليا أنا بس.
بدأت أرسم، وأفصل، وأجرب موديلات جديدة. في الأول كانت حاجات بسيطة، بس شوية بشوية بقى ليها شكل وشخصية.
في يوم، واحدة من صاحبات ست ماما طنط تريزا جت البيت. فضلت تبص على شغلي بتركيز، وتلمس القماش وتشوف التشطيب.
مين اللي عمل ده؟
أنا رديت بقلة ثقة شوية.
ابتسمت وقالت جملة عمري ما هنسى وقعها عليا بقلم منال علي 
يبقى حرام تفضلي مستخبية هنا.
الجملة دي فضلت ترن في وداني أيام. لأني من جوايا، كنت عارفة إنها صح.
بعد فترة قصيرة، بدأت أبيع أول قطع من تصميمي. مكنتش حاجات كبيرة ولا الشغل كتر فجأة، بس كان كفاية عشان أحس إني ببني كيان حقيقي.
كل زبونة، كل أوردر، كل كلمة حلوة.. كانت بتأكد لي إني أقدر أروح لبعيد.
ومن غير ما أحس، بدأت أتغير.
مبقتش بتمشى في البيت كأني عابرة سبيل. مابقتش
بخاف وأنا بتكلم.
بقى لي صوت.
بقى لي مساحة.
وده.. بدأ يغير الطريقة
 

تم نسخ الرابط