قصه خمس سنين جواز حكايات نور محمد
رسايله مكنتش بتوجعني، بالعكس، كانت بتأكد لي إني أخدت القرار الصح. أنا مكنتش زوجة غايبة عن بيتها، أنا كنت "موظفة خدمة عملاء" سابت الشفت بتاعها، والعملاء غضبانين.
لما حالة أبويا استقرت ونقلوه أوضة عادية، بدأت أسترد جزء من طاقتي. كلمت جوزي وقولتله: "نتقابل بكرة في كافيه كذا، الساعة ٥". اخترت مكان محايد، مكان عام مفيهوش ريحة التضحيات اللي قدمتها، ولا ذكريات العزومات اللي هدت حيلي.
لما قعدنا، كان باين عليه الثقة المفرطة. طلب قهوته، وبص لي بنظرة أب بيعاتب بنته المتمردة وقال: "ها؟ هديتي؟ عرفتي إنك كبرتي الموضوع وعملتي مشكلة من لا شيء؟"
بصيت في عينه، وبكل هدوء الدنيا، هدوء مرعب أنا شخصياً استغربته، قولتله:
"أنا مكنتش غضبانة، ولا كنت منفعلة.. أنا بس أخيراً شفت الصورة من غير فلاتر. إنت سألتني أنا بهد البيت عشان تفاهات؟ بالنسبة لك، أبويا وهو بين الحياة والموت كان 'تفاهة' قدام صينية مكرونة المفروض أعملها عشان أمك متزعلش."
حاول يقاطعني ويدافع عن نفسه، بس رفعت إيدي ووقفته:
"اسمعني للآخر. أنا مش بلومك لوحدك، أنا بلوم نفسي قبلك. أنا اللي عودتكم إن طاقتي
ارتبك.. نبرة الصوت دي كانت جديدة عليه. متعودش مني على المنطق البارد، كان متعود على العياط، العتاب، وفي النهاية الرضوخ.
كملت كلامي: "عارف إيه اللي كسرني بجد؟ مش إن أمك كلمتني تلومني يومها، اللي كسرني إنك إنت اللي كنت المفروض تحميني في أضعف لحظات حياتي، بس إنت اخترت تحمي 'شكل العيلة' وتتجنب زعلهم، على حساب حزني أنا. إنت مكنتش شريك حياة.. إنت كنت مدير، وأنا كنت مجرد ترس في مكنتك."
طلعت من شنطتي ورقة.. مكنتش ورقة طلاق وقتها، كانت حاجة أهم. كانت "قائمة حدود".
قولتله: "أنا مش راجعة الشقة النهارده. أنا هقعد مع أبويا لحد ما يخف. ولما أقرر أرجع، لو رجعت، دي هتكون شروطي:
١- العزومة الأسبوعية دي انتهت للأبد. اللي عايز يزورنا أهلاً بيه كضيف خفيف في الوقت اللي يناسبني أنا كمان.
٢- أنا مش مسؤولة عن تلبية طلبات
٣- الاحترام متبادل، الكلمة اللي هتتقال لي هرد عليها، واللي هيزعل من رد فعلي، يراجع فعله الأول."
بص للورقة وضحك بسخرية: "إنتي بتملي عليا شروط؟ إنتي فاكرة إني هقبل أعيش مع ست بتتمرد على أهلي وبتقطع رحمي؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وسحبت الورقة من قدامه، وقطعتها نصين قدام عينه.
"لا، إنت مش هتقبل.. وأنا كمان مش هقبل."
فتحت شنطتي، طلعت دبلتي، وحطيتها على الترابيزة بالراحة.
"الورقة دي مكنتش عشانك، دي كانت اختبار أخير ليا أنا. كنت بشوف لو لسه فيك أمل تفهم يعني إيه جواز ومشاركة. بس إنت أثبتلي إنك بتدور على 'بديل لأمك'، مش على 'زوجة'. وأنا قدمت استقالتي من الوظيفة دي."
قمت من على الترابيزة، وسيبته قاعد مذهول، عينه متعلقة بالدبلة اللي بتلمع تحت نور الكافيه. لأول مرة من خمس سنين، ضهري كان مفرود، وخطوتي كانت خفيفة.
النهاية والخلاصة (الدرس المستفاد):
بعد شهور من اليوم ده، الانفصال تم بهدوء. هو حاول يرجعني لما لقى البيت فعلاً انهار من غيري، بس محاولاته كلها كانت عشان "نرجع المكنة تشتغل"، مش عشان "يصالحني".
في رحلة التعافي،
الاحتراق لا يولد التقدير: إنك تحرقي نفسك عشان تدفي اللي حواليكي مش هيخليهم يحبوكي أكتر، هيخليهم يعتادوا على الدفا، ولما تخلصي، هيشتكوا من البرد ويدوروا على حطب غيرك.
العشم السام: في شعرة بسيطة بين "الأصول" و"الاستغلال". الأصول بتبقى متبادلة وفيها تقدير، الاستغلال بيبقى طريق اتجاه واحد، مليان أوامر ومفروش باللوم.
أول تنازل هو الأخطر: لو سكتّي على حقك في مساحتك ووقتك أول مرة بحجة "مفيش بينا فرق"، إنتي كده بتكتبي العقد اللي هيحاسبوكي عليه بقية حياتك. الحدود مش قلة ذوق، الحدود هي اللي بتحمي العلاقات من إنها تتحول لسجن.
محدش هيحترمك أكتر ما بتحترمي نفسك: اللحظة اللي جوزي وعيلته شافوا فيها إني قادرة أقول "لا"، وأنفذها، وأمشي من غير ما ألتفت.. دي كانت أول مرة في حياتهم يشوفوني فيها كإنسانة لها كيان، مش كأداة.
البيت اللي بنيته على حساب صحتي وأعصابي وقع في ثانية.. بس لما وقع، اكتشفت إني كنت محتاجة الهدد ده، عشان أبني نفسي أنا من أول وجديد، بس المرة دي، على أساس متين من حب الذات