د عوده من تحت الكوبري ايسل هشام
أما كريم…
أول ما دخل الصالون وشافني، وقف لحظة.ايسل هشام
مش لأنه عرفني.
لكن لأن في حاجة فيه اضطربت… حاجة مش فاهمها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأنا منزلّة عيني.
اللعبة بدأت.
سميت نفسي "سلمى حسن".
صبغت شعري أسود، ولمّيته كعكة بسيطة.
عم محمود وفّى بوعده، وخلال أسبوع اسمي كان ضمن المرشحات في مكتب العمالة اللي كريم ورنا بيتعاملوا معاه.
أرملة من المنصورة، ملهاش أهل، هادية وبتفهم في بيوت الكبار.
يوم المقابلة، رنا بصتلي ثواني…
مش عشان عرفتني.
لكن عشان ما عرفتش.
كانت لابسة فستان شتوي بيج، وشعرها مربوط ديل حصان عالي. لسه جميلة… بس في عينيها بقى في قسوة عملية، برود مكانش موجود زمان.
قالت وهي بتقلب في الورق:
"سلمى، اشتغلتي مع أطفال قبل كده؟"
"أيوه يا هانم. بنتين في بيت في المنصورة."
بعدها بدقايق دخل كريم، الموبايل لازق في ودنه.
رمى عليا نظرة سريعة زي ما حد بيبص على كرسي هيشتريه.
لكن أنا… قلبي اتخبط أول ما شوفته.
نفس الساعة اللي جبتها له في أول عيد جواز.
نفس القميص الأبيض اللي كان بيحبه.
ما عرفنيش.
وببساطة… رجعت حياتهم
المراقبة
الأول كنت بس بسمع.
شقة في الزمالك، مودرن، لوحات غريبة على الحيطان.
صور فرحهم المدني متعلقة… مبتسمين كأن الدنيا ملكهم.
مفيش أي أثر ليا.
كأني عمري ما كنت موجودة.
من المطبخ كنت بسمع مكالمات متقطعة:
"حساب لوكسمبورج"
"شريك هادي"
"نحوّل قبل آخر الربع"
كنت بكتب كل حاجة في كشكول صغير في أوضتي الضيقة.
عم محمود كان بيتصل من رقم مخفي.
أول ما أرد يقول كلمة واحدة:
"احكي."
أحكيله كل حاجة.
وهو يسألني أسئلة دقيقة… ويطلب مني مستندات محددة.
وكان في ميزة عندي عمره ما عرفها:
أنا عارفة عادات كريم.
عارفة بيحط المفتاح فين.
عارفة بيخبّي النسخة الاحتياطي فين.
ليلة، بعد ما ناموا، مشيت في الطرقة زي شبح.
خدت المفتاح من الجاكيت، فتحت المكتب، وصورت كل حاجة بالموبايل الرخيص اللي اداهولي.
عقود. تحويلات. أسماء شركات نفس اللي في ورق عم محمود.
وأنا بصور… حسيت بحاجة غريبة.
مش خوف بس.
رضا.
السقوط
بعد أسبوعين، عم محمود قابلني في كافيه هادي في وسط البلد.
قال وهو بيديني فايل تقيل:
"كفاية. المحامين شغالين. في تفتيش مفاجئ
سألته:
"وأنا؟ لما الدنيا تولع؟"
بصلي نظرة باردة.
"لما تخلصي… هتبقي حرة. ومعاكي فلوس تخليكي متقربيش من كوبري تاني طول عمرك."
سكت شوية وبعدين قلت:
"عايزة أحضر اللحظة."
رفع حاجبه.
"لما يعرفوا."
ابتسم لأول مرة.
"إنتِ طلعتي شبهّي أكتر ما كنت فاكر."
الصبح الساعة 8 الجرس رن.
فتحت الباب.
ستة واقفين:
اتنين ضرائب، اتنين شرطة بلبس مدني، واتنين موظفين.
"الأستاذ كريم موجود؟"
دخلوا.
من المطبخ سمعت صوت كريم بيعلى.
رنا بتصرخ إن ده سوء تفاهم.
أدراج بتتفتح. ورق بيتحدف.
الساعة 12…
كريم خرج بالكلابشات في إيده.
الجيران بيتفرجوا من الأبواب.
وفي اللحظة دي دخل عم محمود، متأنق وعصايته في إيده، كأنه صادف الموقف بالصدفة.
بص لابنه وقال بهدوء:
"أنا آسف يا كريم."
مفيش دموع.
مفيش مفاجأة.
بس برود.
أنا كنت واقفة وراهم بالمريلة.
محدش شايف "سلمى".
رنا بصتلي فجأة.
لمحة شك عدت في عينيها.
"إحنا اتقابلنا قبل كده…؟"
لكن عربية الشرطة تحركت… واللحظة ضاعت.
بعد شهرين
كريم في الحبس الاحتياطي.
الصحف بتتكلم
رنا بتحاول تهرب من التهمة.
عم محمود طالع في الإعلام كرجل الأعمال اللي بيتعاون لتنضيف شركته.
وأنا؟
عشت في شقة صغيرة في المعادي… باسمي الحقيقي: مي.
معايا حساب في البنك.
لبس جديد.
وحياة جديدة.
قابلت عم محمود آخر مرة في مكتبه على كورنيش النيل.
قال وهو بيمضي ورق:
"عدلت الوصية. كريم مالوش نصيب. ورنا انتهت."
سألته:
"وأنا؟"
اداني ظرف.
"زي ما وعدتك. وده كمان أسهم في شركة تابعة. مش هتبقي أغنى واحدة في مصر… بس عمرك ما هترجعي تحت كوبري."
حطيت الظرف في شنطتي من غير ما أفتحه.
سألته فجأة:ايسل هشام
"ندمت؟"
سند إيده على المكتب.
"عملت اللي لازم يتعمل. زيك."
خرجت على كورنيش النيل.
الشمس ضاربة في وشي.
فتحت الظرف على دكة.
فلوس. أوراق ملكية. أرقام.
مستقبل كامل متطبق في ورق.
افتكرت مي اللي كانت واقفة بشنطة وبتعيط يوم الطلاق.
افتكرت مي اللي كانت نايمة تحت الكوبري ومحدش شايفها.
ولا واحدة منهم موجودة دلوقتي.
أنا اخترت دور خطير… ولعبته للآخر.
مش بطلة.
ومش ضحية.
أنا بس واحدة عرفت تستخدم فكرة إنهم فاكرينها
قفلت الظرف، ومشيت وسط الناس على الكورنيش.
محدش عارف أنا مين.
محدش عارف عملت إيه.
ولأول مرة… الاختفاء كان ملكي أنا.