عمي متولي

لمحة نيوز

عشان تلهيني أنا وطارق، وعشان نفضل عايشين في جحيم ونظن إن العيب فينا وفي تربيتنا! وعشان كده فريدة كانت بتصرخ كل ما النور يطفي، لأن شكل الضلمة كان مرتبط في عقلك الصغير بالحبس في أوضة الكراكيب والتهديد!
وليه فريدة نامت بالليل قبل ما عمي متولي يموت؟
لقيت ورقة بخط إيد عمي متولي، مكتوبة بتاريخ إمبارح بالليل.. خط إيده كان بيترعش
أنا اكتشفت كل حاجة يا صفية.. اكتشفت إنك حابسة حافيدتك ورامية الرعب في قلبها عشان الفلوس، واكتشفت إنك السرّاقة! ال 200 ألف جنيه اللي قولتي إنهم اتسرقوا واتهمتي ندى الغلبانة بيهم، انتِ اللي اديتيهم لشيماء وجوزها عشان يهربوا من ديونهم قبل ما النيابة تقبض عليهم. أنا خدت المفتاح ده منك وأنتِ نايمة، وطلعت شفت الأرشيف.. وعرفت إنك دمرتي ولادك عشان تنفذي جشعك أنتِ وبنتك. أنا مش هقدر أعيش مع القرف ده أكتر من كده، وحقي وحق الغلابة دول هيتاخد بالدستور والقانون.. بكره الصبح الملفات دي هتروح للنيابة.
عمي متولي ما ماتش موتة ربنا بس.. عمي متولي مات من الصدمة والقهرة لما اكتشف إن الست اللي عاش معاها عمره كله كانت الأفعى اللي بتنهش في عياله وأحفاده!
رفعت رأسي من الأوراق وأنا بمسح دموعي والغل مالي قلبي، وقررت إنه خلاص.. الكتمان والضعف انتهوا. لميت كل الملفات، العقود المزورة، التقارير الطبية، وشريط الكاسيت، وحطيتهم في شنطتي.
ونزلت السلم..
كان النور ضرب في الصالة تحت. لقيات الحجة صفية واقفة
في المطبخ بتعمل شاي، وطارق وسامح وندى قاعدين في الصالة، وسامح بيحط شنطه على الأرض ومستني تاكسي عشان يمشوا.
مشيت بكل ثبات، وحطيت الشنطة بفرقعة شديدة على السفيرة في نص الصالة.
الحجة صفية خرجت من المطبخ وهي بتبصلي بغل إيه الفوضى دي على الصبح؟ مش محترمة حرمة الموتى والبيت اللي طالع منه جنازة؟.
بصلتها بنظرة خلتا تتراجع خطوة لورا. نظرة واحدة أبرد من التلج وأقوى من النار.
مسكت الكاسيت وحطيته على الترابيزة، وضغطت على زرار Play.
صوت الحجة صفية وهي بتدبر المؤامرة مع شيماء، وصوت فريدة وهي بتصرخ من الرعب والتهديد، ملأ الصالة..
البيت كله اتجمد.
طارق قام من مكانه وكأنه اتكهرب، عينيه اتوسعت وهو بيسمع صوت أمه وصوت بنته اللي بتترجى. سامح وقف مبهول، وندى حطت إيدها على بقها وهي مش مصدقة.
الحجة صفية وشها أصفر زي الموتى، شفايفها بدأت تترعش، وجت تتكلم ده.. ده تزوير! الفلوس...
رميت الملفات والعقود على الترابيزة قدام سامح وطارق قسماً بالله يا حجة صفية، لو كلمة واحدة طلعت من بقك، النيابة هي اللي هتتكلم! الملفات دي فيها تزوير أرض العتبة اللي خسرت فيها يا سامح، وفيها سرقة ال 200 ألف جنيه اللي لبستيها لندى واديتيهم لشيماء، وفيها الجريمة البشعة اللي عملتيها في بنتي فريدة عشان تلهينا عن قرفك!.
طارق مسك التقارير الطبية والعقود، وإيده كانت بتترعش بشكل هستيري. بص لأمه وهو مش قادر يتنفس أنتِ.. أنتِ عملتي في بنتي وفينا كل
ده؟ أنتِ اللي كنتِ بتخوفي فريدة؟ أنتِ اللي دمرتي سامح؟.
سامح مسك عقود الورشة، والدموع نزلت من عينيه بغضب مرعب، قرب من أمه وهو بيصرخ بايعانا يا أمي؟ بايعانا عشان شيماء وجوزها؟ وحاطة الفلوس المسروقة في جيبهم ومطلعة مراتي حرامية قدام الشارع؟.
الحجة صفية وقعت على الكرسي، مش قادرة تدافع عن نفسها، السر اللي استخبى سنين اتكشف في دقائق، وكل جبروتها اتهدم.
في اللحظة دي، نزلت فريدة من فوق، مشيت ببطء وقفت جنبي، مسكت إيدي.. بس المرة دي ما كانتش بتشد برعب، كانت ماسكة إيدي بثبات، وبصت لجدتها وقالت ببراءة مرعبة تيتة.. جدو قالي في الحلم إن المفتاح فتح الأوضة خلاص، وأنك مش هتقدر تقفلي عليا الباب تاني.
الجملة دي كانت زي الرصاصة الأخيرة. الحجة صفية نهارت وبدأت تعيط بحسرة، بس محدش فينا تحرك عشان يواسيها.
طارق بصلي وهو عينيه مليانة دموع وندم، الندم إنه سابني وساب بنته لسنين تحت رحمة أمه وهو فاكر إنه بيحافظ على بيت العيلة. قرب مني ومسك إيدي، بس أنا سحبت إيدي ببطء.
مسكت شنطة هدومي وشنطة فريدة اللي كنت جهزتهم، وبصيت لطارق وقلتله بصوت قاطع أنا ماشية يا طارق.. هاخد فريدة وهروح بيت أهلي. البيت ده خلاص مات، والسر اتعرف.. لو عايز تبدأ معايا ومع بنتك صفحة جديدة نظيفة بعيد عن السم ده، هت لحقنا وتتغير، لو مش قادر.. يبقى كل واحد يروح لحاله.
مشيت وسبت البيت ورتبي ورايا، وسامح وندى لموا حاجتهم وخرجوا معايا ورايا على طول،
وسابوا الحجة صفية قاعدة لوحدها في الصالة الكبيرة، في البيت الثلاث أدوار، وسطه العفش القديم والكراكيب والملفات المفتوحة.. وحيدة مع ذنوبها وذكريات الجرايم اللي ارتكبتها في حق عيلتها.
وأنا ماشية في شارع شبرا، والنور بتاع ربنا طالع، فريدة بصلتي وابتسمت أول ابتسامة صافية من شهور وقالتلي ماما.. الشمس حلوة قوي، والشنطة مش تقيلة عليّ.
ضميتها ليا وأنا ماشية بثقة، وأنا عارفة إن الكابوس انتهى.. بس وأنا بحط إيدي في جيبي عشان أطلع تليفوني وأطلب تاكسي، صوابعي خبطت في حاجة غريبة جوة الجيب.
حاجة ما كانتش موجودة قبل كده!
سحبتها ببطء.. كانت ورقة صغيرة مطوية بخط عمي متولي، بس مكتوبة بأسلوب غريب ومرعب، كأنها اتكتبت في لحظاته الأخيرة قبل ما يلفظ أنفاسه الأخيرة بساعات، ومكتوب فيها
يا مريم.. لو بتمسكي الورقة دي، يبقى انتِ فتحتي الأرشيف وعرفتي سر صفية.. بس في سر تاني صفية نفسها ما تعرفوش. السر اللي في الدرج الرابع اللي تحت خالص تحت الملفات السريّة.. سر هيغير كل حاجة تعرفيها عن طارق وعن عيلتنا، وسر الست اللي كانت عايشة في الدور الثالث قبل ما تموت من عشرين سنة.. إياكي تسكتي، افتحي الدرج الرابع يا مريم قبل ما يوصلوا له!.
وقفت في نص الشارع، قلبي دق بدقات مرعبة، وتلفت ورايا وبصيت لشباك الدور الثالث المقفول..
هو الأرشيف كان فيه درج رابع؟ أنا فتحت ثلاثة أدوار بس! مين الست اللي كانت عايشة في الدور الثالث؟ وإيه السر اللي
طارق نفسه ما يعرفوش عن عيلته؟!

تم نسخ الرابط