قصه مؤثره حكايات زهره الجزء الاول

لمحة نيوز


​صرخت فيه بغضب ماقدرتش أكتمه أكتر من كده:
ـ "مش مشكلتي تتجوز مين ولا ظروفها إيه! المهم متجيش على قُوت ولادك وعيشتم !"
​بدأت خناقة بصوت عالي، وهو بيبرر بوقاحة:
ـ "أنا قلت اللي عندي وده اللي أقدر عليه.. كفاية إني هسيبلكوا الشقة التمليك دي تعيشوا فيها، وهي هاخدلها أيجار.. احسبيها بالعقل شويه!"
​بصيت لرجلي العاجزة، وبصيت لوشه المتبجح.. لقيت إن كلامي معاه زي النقش في المية، مفيش فايدة ولا أمل في آدميته. استجمعت القوة اللي فاضلة فيا وقلت ببرود :
ـ "تمام.. اللي تشوفه.. أنا موافقة، ومبروك عليك."
​زقيت الكرسي المتحرك ولفيت بيه عشان أمشي لأوضتي، وسمعته ورايا بيتنفس براحه ويقول بثقة:
ـ "كنت عارف إنك عاقلة ومفيش منك يا حبيبتي، وعقلك يوزن بلد."
دخلت اوضتي وكنت سامعه  بنتي الكبيرة، اللي عندها ١٣ سنة، بتقوله بدموع :
ـ "ليه كده يا بابا؟ ليه بتعمل في ماما كده؟"
​رد عليها بكل بساطة :
ـ "يا حبيبتي متزعليش.. هي بس زعلانة في الأول عشان الظروف، وبعدها بتهدى وتنسى.. ماهي ياما زعلت وعادي يعني.. كملي أكلك."
قعدت في الضلمة، وابتسمت .
ـ "لا.. غلطان يا مدحت.

. المرادي غير كل مرة.. لاني مش هسكت زي كل مره  ."
قعدت في الضلمة أسمع صدى صوته وهو بيردد نفس جملته المستفزة: "ماهي ياما زعلت وعادي يعني!".. الجملة دي كانت زي المفتاح اللي فتح جويا طاقة جهنم. هو فاكر إن سكوتي طول السنين اللي فاتت كان ضعف، فاكر إن تنازلي عن حقوقي عشان المركب تمشي كان قلة حيلة. لكن المرادي غير.. المرادي أنا ما خسرتش رجلي بس، أنا خسرت آخر ذرة عذر كنت بشيلها له في قلبي.
​بصيت لرجلي الملفوفة، ولأول مرة ما حسيتش بالضعف.. حسيت بقسوة وغضب خلوني أتسند على إيدين الكرسي وأقعد على السرير وأنا بخطط لكل خطوة جاية. مدحت فاكر إن اللعبة خلصت لمجرد إني قلتله "أنا موافقة".. ما يعرفش إن الموافقة دي كانت أول خطوة في حبل الإعدام اللي بلفه حوالين رقبة جشعه وبجاحته.
​تاني يوم الصبح، نزل مدحت شغله وهو رايح جاي قدام الأوضة بيصفّر وبيتأنق، كأنه عريس بجد ومش فارق معاه إن البيت مكسور. أول ما الباب اتقفل وراه، ناديت على جودي بنتي الكبيرة. جودي دخلت وعينيها ورمة من العياط، طبطبت عليها وقلتلها بصوت ثابت مش متعودة عليه:
ـ "جودي.. امسحي دموعك دي.
أمك رجالها اتعجزت اه، بس دماغها شغال، وحقنا مش هيضيع. طلعيلي أوراق الشقة وأوراق الجمعية اللي كنت داخلة فيها قبل الحادثة، وتلفوني القديم من الدرج."
​جودي بصتلي باستغراب، بس تنفذت فوراً. أنا قبل الحادثة كنت بشتغل مدرسة رياضيات في مدرسة خاصة، ولأني شاطرة، كنت بدي دروس خصوصية وبشيل قرشين على جنب من غير ما مدحت يعرف، لأن مدحت من نوعية الرجالة اللي لو شموا خبر إن معاكي جنيه، يرفعوا إيديهم عن البيت فوراً. غير كدة، الشقة اللي إحنا قاعدين فيها دي مش تمليك منه زي ما بيتبجح ويقول.. الشقة دي كانت ورثي من أبويا، وهو كتبها باسمي قبل ما يموت عشان يضمن مستقبلي، ومدحت أقنعني زمان نكتب بينّا عقد صوري إن الشقة مناصفة عشان "البرستيج" قدام أهله، والعقد ده أصلاً ما تسجلش ولا ليه أي لازمة قانونية!
​مسكت التليفون وكلمت محامي زمايلي في المدرسة كانوا بيتعاملوا معاه، أستاذ هاني.. راجل شديد وفاهم القانون كويس. حكيتله كل حاجة بالتفصيل، من أول الحادثة، لحد تقسيمت مدحت العبقرية للمصاريف، وعقد الشقة الصوري.
​أستاذ هاني ضحك بمرارة وقال لي:
ـ "يا مدام آمال، جوزك ده
عايش في كوكب تاني! القانون ومش بس القانون.. الشرع والعرف معاه في داهية. الشقة ملكك خالص، والمعاش ده حقك الشخصي لتعويض إصابتك، ونفقته على أولاده وزوجته واجبة عليه بالسيف والقانون، وملهاش دعوة انتي معاكي كام.. اتركيل الموضوع ده تماماً، بس عايزك تنفذي اللي هقولك عليه بالحرف."
​خطتي كانت بسيطة: "استدراج الغبي لما يقع في الفخ".
​على مدار أسبوعين، كنت بتعامل مع مدحت بكل برود وذكاء. لما كان ييجي يتكلم عن العروسة الجديدة -اللي اكتشفت إنها واحدة مطلقّة وقرايبة من بعيد ومفهمها إن عنده شقة ملك ومقتدر- كنت ببتسم وأقوله: "ربنا يسعدك يا مدحت، أهم حاجة راحتك". كان بيتنفخ غرور ويحس إنه سيطر على الوضع تماماً.
​في الأسبوع الثالث، مدحت جه ووشه أصفر ومشدود.. اتاري المحروسة الجديدة طالبه شبكة ومؤخر وأجار شقة مفروشة في مكان محترم، والمرتب اللي كان فاكره هيعيّشه ملك مش مكفي أول شهريتين!
دخل عليا الأوضة وقال بلهجة فيها رجاء خفي متغطي بوقاحة:
ـ "آمال.. بصراحة كده العروسة طالبه مصاريف كتير في الأول، وأنا محتاج سلفة من المعاش بتاعك لما ينزل، أو نبيع حتة من ذهبك
وهرجعهم أول ما الظروف تظبط."

تم نسخ الرابط