الحق المسلوب منال عباس
أبـويا ضـربني بالـقلم عشـان مفـاتيح شقتـي.. وبعـدها، وإحـنا قاعـدين عـلى السـفرة والأكـل قـدامنا، قـالها بـكل بـرود: «بـكرة الصـبح تعـرضي الشـقة للبـيع، الـفلوس دي "إيمـان" اخـتك أولـى بيـها عـشان تكـمل دراسـتها فـي المـاجستير». قالها بنبرة ميتة، وكأن بيتي ده مجرد ورقة فالتة
أنا اسمي صفيّة. عندي تمانية وعشرين سنة. خمس سنين من عمري كنت بخيط فيهم أيامي غرزة غرزة عشان أبني لنفسي حياة: نبطشيات زيادة، شغل خاص في الويك إيند، غدايا في علبة بلاستيك، وعربية قديمة كانت بتكح كل ما أدورها الصبح. في الوقت اللي الناس كانت بتسافر وتصيف، كنت أنا ببص على أرقام "الأبلكيشن" في الموبايل وأحوش قرش على قرش.. لحد ما وصلت للي يخليني أحط رِجل على رِجل وأمضي عقد شقتي. بقلم منــال عــلي
كنت شغالة أخصائية علاج طبيعي في عيادة كبيرة في "المعادي". صوابعي كانت دايمًا ريحتها مراهم ودهانات، وظهري كان بيتقطم من التعب ليل ونهار، بس فكرة إن يكون ليا "مفتاح" ملكي كانت هي اللي سانداني. لا إيجار، ولا منّية حد من أهلي.. حاجتي لوحدي.
أهلي مكنوش يعرفوا معايا كام. في عيلتنا، أي نجاح بيخصني بيتحول بقدرة قادر لكلمة "بتاعنا". أبويا، "جمال"، كان دايمًا يحب يتكلم عن "الواجب" و"الأصول". وأمي، "ليلى"، كانت بتطلب نفس الطلبات بس بصوت حنين يخليكي تغرقي في شبر ميه. أما أختي الصغيرة "إيمان"، فدي كانت دايمًا هي "ست البيت" الحقيقية، حتى وهي قاعدة في ركن السفرة.. إيجارها، مصاريف جامعتها، نوبات قلقها، ومستقبلها.. كله كان بيمر من تحت إيدي أنا. بقلم منــال عــلي
أنا اللي دفعت مصاريف السكن الجامعي، واللابتوب "اللي لازم تجيبه"، وكورسات مالهاش أول من آخر عشان "لسه بتدور على نفسها". أبويا كان بيسمي ده حب، وأنا كنت بعد كل
لما مضيت عقد الشقة، فضلت تلات أيام ساكتة. شقة صغيرة في حي هادي، بمطبخ ضيق وأوضتين وصالة، حيطانها باهتة ومحتاجة وش نضافة. يومها قعدت على البلاط الساقع، ريحة الدهان والتراب كانت بالنسبة لي أحلى من ريحة المسك. شميت ريحة "الحرية". بكيت يومها بحرقة بس من غير صوت، كأني خايفة حتى نفسي يسمعني. بقلم منــال عــلي
في اليوم التالت، روحت لأهلي ومعايا علبة حلويات بسيطة. كنت بس عايزة أشوف في عينيهم "فخر" مش "احتياج".
البيت كان ريحته أكل، واللمبة الصفراء فوق السفرة كانت منورة المكان. أمي بتعدل المفارش، وإيمان عينيها في الموبايل وضوافرها متركبة وجديدة، تمنها أغلى من غدايا طول الأسبوع.
— أنا اشتريت شقة.. قلتها وأنا بحاول أبتسم.. "كل الورق خلص وهمضي الاستلام الشهر الجاي".
أمي اتسمرت مكانها، وإيمان رفعت عينيها باستغراب، وأبويا رزع الكباية على الخشب لدرجة إنها كانت هتتكسر.
— يعني إيه اشتريتي شقة؟
— يعني من شقايا وتحويشي يا بابا.. دي ملكي.
أبويا قام من على الكرسي لدرجة إن صوته وهو بيتحرك وجع ودني:
— ومين اللي أداكي الحق تاخدي قرار زي ده من ورايا؟
— أنا عندي تمانية وعشرين سنة يا بابا!
مقعدش.. قرب مني وصوته بقى زي التلج:
— بكرة تتباع. إيمان محتاجة الفلوس دي عشان دراستها، وهي أولى بالقرش ده.
بصيت لأختي، كانت باصة في المفرش وبتعدل غويشتها.. منطقتش بكلمة.
— مش هبيع بيتي يا بابا.
وفجأة، الدنيا اسودت في عيني. القلم نزل على وشي بوجع خلى كاس الميه اللي قدام أمي يرن. جسمي اتحدف على طرف السفرة، وطعم الدم ظهر في بوقي.
— إحنا قررنا خلاص، وانتي مالكيش صوت هنا.
أمي شهقت بس فضلت مكانها. إيمان فضلت باصة في طبقها وعينيها بتزوغ.
أبويا شاورلي على
— اطلعي بره.. ولو الشقة دي منزلتش بيع لبكرة، متبقيش بنتي ولا أعرفك.
خرجت وأنا ضاغطة على وشي.. ليل القاهرة كان برد وقاسي. ركبت عربيتي وأنا مش شايفة من كتر الدموع، وبدأت أعمل "بلوك" لكل محاولاتهم للوصول ليا.
تاني يوم، كنت بلملم هدومي في كراتين وأنا بسمع في ودني صوت كرسيه وهو بيقوم يضربني. بس اللي هما ميعرفهوش، إن ورق الشقة كله في الحفظ والصون، وبنك "مصر" أكد عليا إن مفيش أي إجراء بيتم إلا بوجودي شخصياً أو بتوكيل رسمي موثق.
في اليوم الرابع، تليفوني نور باسم "ماما". رديت بسرعة.. كانت بتعيط وصوتها بيقطع: بقلم منــال عــلي
— صفيّة.. تعالي بسرعة.. أبوكي واقع في مشكلة كبيرة.
سكت.. مكنتش عايزة أضعف.
— البنك كلمنا.. بيقولوا إن فيه ورق أبوكي استخدم فيه اسمك..
قلبي سقط في رجلي. التوكيل؟ استغل اسمي في إيه؟
بعدها بدقيقة جالي رقم غريب.. صوت ست رسمية وهادية:
— يا آنسة صفيّة، إحنا قسم المراجعة في البنك. امبارح اتقدم لنا طلب لبيع العقار بتاعك بموجب توكيل رسمي عام وشامل باسمك.. محتاجين نتأكد فوراً لو كنتي انتي اللي ماضية على التصرف ده ولا فيه تلاعب؟
القلم وقع من إيدي.. حسيت إن الدنيا بتلف بيا. بقلم منــال عــلي
لو كنتي مكاني، وأبوكي استحل تعبك وزور توقيعك عشان يبيع حلمك لأختك.. هتعملي إيه؟
يتبع......
كنت واقفة في المطبخ والموبايل في إيدي، وصوت المروحة كان أعلى من أفكاري. فجأة البيت مابقاش "بيت"، بقى مكان بتختفي فيه الحاجات، وبتتزور فيه الإمضاءات، وبتموت فيه الثقة.
— معلش، قولي تاني كدة؟ — قلتها لموظفة البنك وصوتي كان هادي لدرجة إني خوفت من نفسي — "بناءً على توكيل رسمي مني"؟
— أيوه يا آنسة صفيّة. فيه ملف اتقدم لنا فيه توكيل بإمضا حضرتك،
جسمي سقع.. مكنش خوف، كان شعور بالخزلان، كأن حد فتح باب فريزر وسابه مفتوح قدامي وأنا بحاول أتنفس.
— أنا ممضيتش على حاجة — قلتها بكل حسم — لا توكيل ولا غيره، ومأديتش لأي حد الحق إنه يتكلم بلساني. بقلم منــال عــلي
— تمام. محتاجينك تشرفينا في الفرع في أسرع وقت ببطاقتك الشخصية، ومعاكي عقود الشقة عشان نطابق البيانات.
قفلت السكة وأنا بفكر: "هما عملوها فعلاً.. ده مابقاش تهديد، ده بقى فعل". وفي اللحظة دي عرفت إن عيلتي مفيهاش مكان "للتفاهم". لما يوصل بيهم الحال لتزوير اسمي، يبقى الأصول ماتت.
الموبايل نور تاني.. "ماما".
رديت عشان "صفيّة" القديمة كانت لسه جوايا، اللي مابتجبش مشاكل، اللي بتستحمل عشان "بابا عصبي ومعلش".
— يا صفيّة.. لازم تيجي.. انتي مش متخيلة اللي بيحصل هنا..
— أنا متخيلة يا ماما — قطعت كلامها وصوتي كان زي السيف — البنك لسه مكلمني. قوليلي بصراحة: بابا قدم ورق باسمي؟
سمعت شهقتها وهي بتعيط:
— هو.. هو افتكر إن كدة أسرع.. كان عايز يخلص الأمور عشان متعنديش.. عشان كله يتحل.
غمضت عيني، وحسيت بحاجة جوايا بتعمل "تكة".. مش قلبي اللي اتكسر، دي "فصلة" زي فصلة كبس الكهربا.
— يعني زور إمضتي.. وانتي بتقولي "عشان كله يتحل"؟
— يا صفيّة متقوليش كدة.. ده أبوكي.
— وأنا بنتك.. بس الظاهر في الحكاية دي أنا ماليش حد يحميني.
سكتت.. عرفت إن مفيش كلام عندها، مش عشان مابتعرفش تتكلم، عشان مش عايزة تسمي الحاجات بأسمائها الحقيقية.
— تعالي — همست — هو حالته صعبة.. وإيمان بتموت من العياط.. كلنا..
— أنا مش جاية عشان هو "أبويا" — قلتلها — أنا جاية عشان حقي.