الميلونير بيستجم في فيلته في الريف
المليونير كان بيستجم في فيلته في الريف… لحد ما لقى توأم واقفين على بابه
يوسف العطار ماكانش راجل عادي. وهو عنده تلاتين سنة، كان عامل إمبراطورية في القاهرة: فنادق، شركات مقاولات، استثمارات، ومكاتب شايلة اسمه بحروف إزاز وحديد. كان يعرف يقفل صفقات بملايين بنظرة ثابتة وصوت هادي.
بس في هزيمة واحدة لا الفلوس ولا الهيبة ولا الصمت عرفوا يداروها: الوحدة.
من تلات سنين، اتجوز مريم، حب عمره. ضحكتها كانت صافية، من النوع اللي يحسسك إن أي مكان يبقى بيت. حلموا بعيلة كبيرة، ببيت مليان خطوات عيال صغيرة، لعب في الصالة، ورسومات على التلاجة.
مريم حتى اختارت أسماء عيالهم، واشترت بطانية بيضا وقالت ضاحكة:
“نحتفظ بيها… يمكن نحتاجها قريب.”
وكانت دايمًا تهزر وتقول إن يوسف هيطلع أب حنين زيادة عن اللزوم.
بس الحياة مش دايمًا بتنبه قبل ما تضرب.
مريم مرضت فجأة. مرض غريب، قاسي، وسريع. يوسف عمل كل اللي في إيده: مستشفيات خاصة، دكاترة كبار في القاهرة، علاج بره، أشهر الأطباء، ودعاء مكسور في مساجد فاضية.
“هجيب
ومع كده… في أكتوبر كئيب، مريم ماتت.
سيبت كل حاجة زي ما هي… ومكسورة في نفس الوقت. ريحتها في الطرح في الدولاب. مجّها المفضل جنب ماكينة القهوة. روبها ورا الباب. صورتها وهي مبتسمة فوق البيانو.
وفي قلب يوسف حفرة عميقة قوي، لدرجة إنها بطلت تبقى وجع وبقت طريقة عيشة.
بعد دفنها، يوسف انطفى. بطل يروح الشغل. بياكل بالعافية. يقعد بالساعات قدام شباك الفيلا، باصص على الجنينة من غير ما يشوفها.
صحابه حاولوا. أهله قلقوا. بس محدش عرف يوصل له فعلًا.
ساعتها بدأ العلاج.
الدكتور حسام الشاذلي كان راجل هادي، شعره أبيض وإيده ثابتة. ماكانش بيكلم كتير، كان بيسمع، كأنه فاهم إن في جروح مش محتاجة استعجال… محتاجة مساحة.
في مرة، بعد صمت طويل، بص له وقال:
— يا يوسف، الحزن مش هيتحرك غير لما إنت تتحرك. لازم تطلع من البيت ده. تشم هوا جديد. تروح مكان لسه في حاجة عايشة جواك.
يوسف ضحك ضحكة ناشفة.
— مش حاسس إني عايز أروح أي حتة.
— أنا مش بسألك حاسس ولا لأ — رد الدكتور
يوسف سكت شوية وبعدين قال بهدوء:
— في بيت ريفي في الفيوم… مريم كانت بتحبه. ماروحتش هناك من أكتر من سنتين.
— روح هناك.
وبعد أسبوع، من غير ما يعرف ليه، سمع الكلام.
البيت كان بعيد شوية عن المدينة. مش فخم زي القصر، بس كان فيه حاجة ولا بيت من أملاكه كان فيها: الذكريات.
بلكونة خشب، جنينة فيها جهنمية، شجر فاكهة، ريحة هوا نضيف، وصدى أيام حلوة. هناك قضوا شهر العسل. هناك شافها ماشية حافية على العشب. وهناك، في ليلة مليانة نجوم، قالت له:
“هنا بتخيل نفسي أكبر معاك.”
لما وصل، شمس العصر كانت سخنة على السقف. طفى العربية، خد نفس عميق، ووقف شوية يجمع شجاعته.
فتح باب العربية.
وشافهم.
كانوا واقفين قدام باب البيت الخشب، كأنهم مستنيينه. بنتين توأم، صغيرين، حافيين، لابسين فساتين متوسخة، شعرهم فاتح ومتشابك من التراب والهوا.
كل واحدة ماسكة حتة عيش ناشفة، ضامماها كأنها كنز.
ماكانوش بيعيطوا… بس باصين له بعيون كبيرة، هادية، ومخيفة.
قلب يوسف دق جامد.
قرب واحدة واحدة ونزل على ركبته.
— أهلاً… اسمكم إيه؟
واحدة شارت على نفسها:
— لولي.
وبعدين شارت على أختها:
— لولا.
— لولي ولولا؟
هزوا راسهم سوا.
— طب وماما فين؟
لولي بصّت في الأرض، ولولا شدّت على العيش أكتر.
مفيش رد… بس صمت تقيل.
بص للطريق، مفيش عربيات، مفيش حد. كأن الدنيا كلها سابت البنتين دول هنا.
— جعانين؟
لولا رفعت العيش وقالت:
— آه… بس ده بتاع ماما.
الكلمة خنقته.
دخل بسرعة وجاب بسكويت ومية، ورجع.
— ده بتاعي، هشارككم. وعيش ماما نخليه بعدين، ماشي؟
البنات بصّوا لبعض، وبعدين وافقوا. أكلوا بهدوء غريب، كأنهم فاهمين يعني إيه الحاجة تخلص.
اتصل بالشرطة، وبالشؤون الاجتماعية، وبأقرب مجلس مدينة.
بس كان عصر جمعة.
قالوا: “حد ييجي يوم الاتنين.”
يعني تلات أيام.
بص لهم، وهما بيلعبوا في الزهور الناشفة جنب البلكونة.
عمره ما ربّى أطفال. مايعرفش يعملهم أكل، ولا يحمّمهم، ولا ينوّمهم.
بس كان عارف حاجة واحدة:
مش هيسيبهُم لوحدهم.
— خلاص… شكلنا هنعدّي.
أول معركة كانت الحمّام. لولي، الأشقى، أول ما حسّت بالأمان بدأت ترش مية.
لولا،
وفجأة…