المفرش الهديه

لمحة نيوز

كانت ليلة السبوع انتهت، لكن الإهانة ما انتهتش.
رجعت بيتي في شبرا، دخلت الشقة اللي قضيت فيها عمري كله، وقعدت على الكنبة القديمة اللي شهدت كل تعب السنين. طلعت المفروش من الشنطة، وفردته قدامي. كل غرزة فيه كانت بتحكي حكاية… ضحكة مها وهي صغيرة، دموعها أول يوم مدرسة، حضنها ليا لما كانت تخاف من الضلمة.
مسحت على القماش بإيدي، وقلت لنفسي بهدوء غريب: "خلاص… الدور عليّا أنا دلوقتي."
تاني يوم الصبح، لبست أحسن هدوم عندي، وركبت عربيتي الصغيرة، وطلعت على مكتب المحامي "أستاذ حمدي". أول ما دخلت، السكرتيرة بصتلي باستغراب، لكن لما شافت الملف اللي في إيدي، ملامحها اتغيرت.
دخلتله المكتب، وهو كان راجل في الخمسينات، هادي ووشه بيدي إحساس بالأمان.
قال:
"اتفضلي يا مدام… أقدر أساعدك في إيه؟"
حطيت الملف قدامه، وفتحته بإيدي بثبات: "أنا جاية أنفذ وصية جوزي الله يرحمه."
بصلي باستغراب: "وصية؟"
هزيت راسي: "أيوه… بس الوصية دي محدش يعرف عنها حاجة… حتى بنتي."
سكت شوية، وبدأ يقلب في الورق. كل ما يقلب صفحة، ملامحه تتغير أكتر. لحد ما رفع عينه وبصلي بذهول: "الكلام ده… حقيقي؟!"
ابتسمت ابتسامة صغيرة: "حقيقي… وكل حاجة موثقة."
جوزي الله يرحمه،

"سيد"، كان راجل بسيط قدام الناس، شغال في التجارة على قد حاله. لكن اللي محدش يعرفه، إنه كان بيستثمر في الأراضي من زمان… من قبل ما المنطقة كلها تغلى.
كان دايمًا يقول: "يا أم مها، الأيام بتتغير… واللي معاه أرض، معاه مستقبل."
وأنا كنت بضحك، أقول له: "إحنا بالعافية بنعيش!"
بس الحقيقة؟
هو كان شايف أبعد مني بكتير.
قبل ما يموت بسنة، عمل توكيلات وعقود، وكتب وصية باسمي أنا… مش باسم مها.
قال لي وقتها: "خلي بالك… مش كل الناس تستاهل الخير."
وقتها زعلت منه… قلت إزاي مش بنته؟
لكن بعد اللي حصل في السبوع… فهمت.
أستاذ حمدي قفل الملف وقال: "إنتي عندك أملاك… وشركات… وأراضي قيمتها بالملايين!"
قلت بهدوء: "عارفة."
سألني: "تحبي نبدأ بإيه؟"
بصيت له نظرة ثابتة: "عايزة أبيع كل حاجة."
اتصدم: "كله؟!"
"كله."
"طب وبنتك؟"
سكت لحظة… وبعدين قلت: "بنتي اختارت حياتها… وأنا كمان اخترت حياتي."
خلال شهر واحد، كل حاجة اتباعت. الأراضي، الأسهم، الشراكات. الحساب البنكي بتاعي بقى رقم كبير… رقم عمري ما تخيلته.
لكن الفلوس دي ما كانتش هدفي.
رجعت دار المسنين "الوفاء" اللي كنت بشتغل فيه. نفس المكان اللي كنت بطبخ فيه لـ80 روح محتاجة كلمة طيبة قبل الأكل.

دخلت على المدير، وقلت له: "أنا عايزة أشتري الدار."
ضحك في الأول… افتكرني بهزر.
لكن لما شاف العقود… سكت.
بعد 3 شهور، دار "الوفاء" بقى ملكي.
بس ما وقفتش عند كده.
طوّرته، كبرته، خليته مكان محترم بجد. كل نزيل فيه بقى له أوضة لوحده، ورعاية حقيقية، وأكل نضيف… وكرامة.
وسميته: "دار الذكريات."
وعملت حاجة تانية…
ركن صغير جوا الدار، حطيت فيه المفروش.
علّقته على الحيطة، تحت إضاءة دافية، وكتبت جنبه: "صُنع بحب… لا يُشترى."
عدت سنة.
وفي يوم، جاتلي عربية فخمة وقفت قدام الدار.
نزلت منها مها.
كانت مختلفة… عينيها فيها تعب مش شوفتهوش قبل كده.
دخلت وهي مترددة، ولما شافتني… وقفت.
قالت بصوت مكسور: "ماما…"
بصيت لها بهدوء: "أهلاً يا مها."
قربت شوية: "أنا… أنا آسفة."
ما رديتش.
كملت وهي دموعها بتنزل: "أنا كنت غلطانة… سامحيني."
سألتها بهدوء: "على إيه؟"
سكتت… وبعدين قالت: "على كل حاجة… على اليوم ده… على إني سكت… وعلى إني خفت من الناس أكتر ما خفت أزعلك."
بصيت في عينيها… لأول مرة أشوف بنتي الصغيرة جوا الست دي.
قلت: "وجوزك؟"
نزلت عينها: "سيبنا بعض."
ما استغربتش.
قالت: "طلعت مش مهمة عنده… زي ما إنتي ما كنتيش مهمة في نظره."
سكتت شوية،
وبعدين سألت: "هو… هو صحيح اللي سمعته؟ إنك بقيتي…"
قاطعتها: "بقيت نفسي."
مشيت معاها جوه الدار، ووريتهالها. الناس اللي بتهتم بيهم، المكان، الجو… لحد ما وصلنا لركن المفروش.
وقفت قدامه… وانهارت.
مسكته بإيديها، وفضلت تبكي: "أنا ما استاهلتش ده… ولا استاهلتك."
قلت لها بهدوء: "المفروش ده معمول من حياتك… بس إنتي اللي اخترتي تبعدي عنه."
بصتلي: "ينفع أرجع؟"
سكت لحظة… وبعدين قلت: "ترجعي إيه؟ المكان؟ ولا الإنسان؟"
ما ردتش.
قعدنا سوا… أول مرة من سنين.
ما كانش فيه عتاب كبير… ولا دراما.
بس كان فيه حاجة أهم: حقيقة.
قلت لها: "اللي حصل… عمره ما هيتنسي. بس ممكن نتعلم منه."
مسحت دموعها: "وأنا مستعدة أتعلم."
بصيت لها، وقلت: "يبقى ابدأي بنفسك… مش بيا."
مها بقت تزور الدار كل أسبوع.
مش كضيفة… لكن كواحدة بتخدم.
بتقعد مع العواجيز، تسمع حكاياتهم، تساعدهم… وتضحك.
وأنا كنت براقب من بعيد.
مش كأم بس…
لكن كواحدة أخيرًا فهمت: إن الكرامة… أهم من أي علاقة.
وفي يوم، دخلت عليا وهي شايلة بنتها الصغيرة.
قالت بابتسامة حقيقية: "ماما… عايزةك تعمليلها مفروش."
بصيت للبنت… نفس عيون مها وهي صغيرة.
ابتسمت، وقلت: "بس المرّة دي… إنتي اللي هتخيطِيه
معايا."
ضحكت من قلبها: "موافقة."
والمرّة دي…
المفروش ما كانش بس قماش…
كان بداية جديدة.

تم نسخ الرابط