م شعرت بحرقه القهوه

لمحة نيوز

الجزء 1:
شعرت فاليريا أولاً بحرقة القهوة، ثم بثقلها اللاصق وهي تنساب على صدرها قبل أن تسمع صوت الكوب وهو يتحطم على رخام بهو المستشفى. الإسبريسو الداكن والمرّ انتشر على سترتها البيضاء الحريرية كأنه بقعة حبر حيّة، يتسرب عبر القماش حتى وصل إلى جلدها. لمدة ثانية واحدة، كان الصمت في مستشفى سانتيان الجامعي مطبقاً لدرجة أن الصوت الوحيد كان تنقيط القهوة وهي تسقط على الأرض المصقولة حديثاً.
لم تصرخ. لم تتحرك. فقط خفضت نظرها ورأت السترة التي أفسدها والدها كهدية في عيد ميلادها الأخير، قبل 3 أشهر من وفاته.
ومن خلفها مباشرة، شق صوت حادّ الهواء بدقة شخص معتاد على التمثيل أمام الكاميرات:
— يا إلهي، انظروا ماذا فعلت بي! دفعتني! أفسدت فستاني!
استدارت فاليريا ببطء. أمامها كانت فتاة في حوالي الثانية والعشرين، بمكياج مبالغ فيه كأنها في برنامج واقعي على الإنترنت لا في مستشفى. كانت ترتدي فستاناً وردياً مكسيكياً ضيقاً جداً لدرجة أنه يبدو مؤلماً، وكعباً عالياً غير مناسب لعمل، وتمسك هاتفاً مثبتاً على حامل تصوير، وشاشته مليئة بالقلوب

والتعليقات التي تتصاعد بلا توقف.
— هل رأيتم ذلك، أليس كذلك؟ — صرخت الفتاة وهي تنظر إلى متابعيها لا إلى الأشخاص الحقيقيين أمامها — هذه المجنونة اعتدت على عاملة صحية. أنا أرتجف!
ثم غرست عينيها في فاليريا بنظرة سامة، وانحنت لتهمس في أذنها برائحة عطر رخيص وغرور:
— انتهيتِ يا سيدة. هل تعرفين من هو زوجي؟ ماوريسيو سالاس، المدير العام. هذا المستشفى ملكه. وإذا كان هو من يدير هنا، فلن تري طبيباً في هذه المدينة مرة أخرى.
شعرت فاليريا بوخزة سخرية باردة كادت تجعلها تضحك. ماوريسيو سالاس… زوجها. الرجل الذي كانت تدفعه وتلمّعه وتدعمه أمام الجميع منذ 10 سنوات وكأنه العقل المدبر الحقيقي.
أدخلت يدها في جيبها ولمست زجاج هاتفها البارد، ثم رفعت نظرها إلى بطاقة الفتاة.
كاميلا ريوس — متدربة.
— هل تريدين المدير العام؟ — قالت فاليريا بهدوء خطير — سنحضر المدير العام.
لكن لفهم كيف انتهى بهما الأمر على أرضية الرخام، كان لا بد من العودة 12 ساعة إلى الوراء، إلى اللحظة التي قررت فيها فاليريا ألا تُخبر أحداً بأنها عادت مبكراً.
هبطت الطائرة
في مطار مكسيكو سيتي الدولي (AICM) بعد شروق الشمس بقليل، مع تلك الصدمة التي توقظ حتى أعمق التعب. كانت فاليريا عائدة من فرانكفورت بعد 30 يوماً من الاجتماعات الباردة، تتفاوض لشراء 6 أجهزة رنين مغناطيسي متطورة لمجموعة مستشفيات عائلتها.
على الورق كان منصبها “مديرة الاستراتيجية”، لكن في الواقع كانت تملك 60% من المجموعة. والدها بنى إمبراطورية سانتيان من عيادة صغيرة في بويبلا، وعندما توفي، وقع العبء كاملاً عليها.
أما زوجها ماوريسيو، فكان الوجه اللطيف: أنيق، جذاب أمام المستثمرين، بارع في الكلام دون فعل حقيقي. الجميع أحبه لأنه يعد كثيراً ويبتسم أكثر. لكن فاليريا كانت تعرف الحقيقة: ماوريسيو لا يستطيع حتى التفاوض على كرسي دون خسارة المال.
لهذا سافرت هي إلى ألمانيا، ولهذا لم تخبره أنها ستعود قبل يوم.
لم تكن تريد مفاجأته فقط، بل أرادت أن ترى المستشفى كما يراه الناس العاديون. كان والدها يقول إن ثقافة المؤسسة لا تُقاس في الاجتماعات، بل في الاستقبال والطوارئ ومعاملة العاملين المجهولين.
في الساعة 9:15 صباحاً، دخلت فاليريا
من المدخل الرئيسي لمستشفى سانتيان الجامعي وهي تجر حقيبتها بنفسها، بدلاً من مدخل الإدارة.
كان المبنى مبهراً: زجاج أزرق، رائحة تعقيم، شاشات، موسيقى هادئة. لكن أول ما رأته لم يكن جمالاً، بل حقيقة.
في وسط البهو كان الدكتور جوليان توريس، رئيس القلب وأقرب صديق لها منذ الجامعة، يركع فوق صدر رجل مسن انهار فجأة. كان يرتدي ملابس طبية مبللة بالعرق، وصوته ثابت، ويداه تعملان بدقة قاسية.
— جولة أخرى! بسرعة! لا تتركوه!
لم يرَ فاليريا، لم يرَ الكاميرات، لم يرَ شيئاً سوى الحياة والموت تحت يديه.
لكن على بعد 3 أمتار فقط، كان المشهد مختلفاً.
كاميلا ريوس كانت تصرخ في وجه دون إفرين، مسؤول صف السيارات البالغ 70 عاماً، الذي عمل مع والدها 30 سنة. كانت تهينه لأن سيارتها المرسيدس بقيت 5 دقائق تحت الشمس.
— ألم يُقل لك أن تضعها في الظل؟ أي جزء لم تفهمه؟
ثم التفتت للكاميرا وابتسمت:
— يا بنات، الخدمة هنا سيئة جداً، لكن دائماً نبقى بإيجابية، أليس كذلك؟ أرسلوا قلوباً.
الغضب في داخل فاليريا لم ينفجر فوراً، بل بدأ كجمر بطيء.
وهكذا كانت “إدارة
ماوريسيو” أثناء غيابها…

تم نسخ الرابط