وقفت امينه متجمده مكانها من الخوف والحزن
الجزء 2
وقفت أمينة متجمدة مكانها، والخوف والحزن بيتكسروا جواها كأنهم بيطحنوا قلبها.
"ليلى…؟" همست بصوت مبحوح، والدموع مالية عينيها وهي بتتفرج على وش الطفلة اللي ربتها وهي لسه رضيعة… قبل ما عيلة آل الجبلاوي يخبّوها عشان كانت بتعرج شوية واعتبروا ده “عار” على اسمهم.
الطفلة الشبح ما نطقتش ولا كلمة.
عينيها كانت فاضية وحزينة، وبصت لأمينة لحظة تحت ضوء القمر… وبعدها لفت ومشيت ناحية الغابة.
من غير تفكير… أمينة جريت وراها.
الغابة كانت مظلمة وكثيفة، فروع الشجر بتخدش وشها كأنها إيدين بتشدها لورا…
بس كان في نور غريب حوالين الطفلة، كأنه بيهديها وبيفتح لها الطريق.
بعد حوالي 15 دقيقة مشي، الطفلة وقفت قدام شجرة ضخمة جذورها ملتفة بشكل مخيف في الأرض.
خفضت رأسها… بصّت للتربة…
وفجأة اختفت.
كأن الأرض بلعتها.
وقعت أمينة على ركبها.
وبإيديها الاتنين بدأت تحفر بجنون…
الأرض كانت ناشفة وصعبة، بس هي ما وقفتش.
بعد شوية، صوابعه خبطت في حاجة معدن.
صندوق حديد قديم… صدئ ومقفول بقفل مكسور من الزمن.
ضربت القفل بحجر مرة… واتنين… وتلاتة… لحد ما اتكسر.
فتحت الغطا…
وصوت صرخة مكتومة خرج من صدرها.
جوا الصندوق…
كان في عظام صغيرة ملفوفة في بطانية أطفال قديمة… نفس البطانية اللي كانت أمينة حاكتها بإيديها زمان للطفلة ليلى.
لكن اللي صدمها مش بس العظام…
كان في سلسلة ذهب تقيلة، محفور عليها الأحرف: “آ.ج”
نفس سلسلة محمود الجبلاوي… كبير العيلة.
نفس الراجل اللي وقف قدام المحكمة بيبكي، وبيقول إن الخدامة "أمينة" خطفت بنتهم وقتلتها.
الدموع نزلت من عين أمينة وهي حضنا الصندوق.
"سامحيني يا بنتي… سامحيني إني ما قدرتش أحميكي من الوحوش دول…"
همست وهي بتعيط بانهيار.
فجأة… الجو اتغير.
نسمة هوا دافئة دخلت المكان، وريحتها زهور ياسمين.
رفعت عينيها…
ولقت ليلى واقفة تاني.
بس المرة دي… ملامحها مختلفة.
مش مرعبة… مش رمادية…
كانت
صوتها دخل جوا دماغ أمينة مش ودانها:
"شكرًا يا نانا…"
وبعدها اختفت.
سكون غريب غطّى المكان…
بس جواه نار غضب بدأت تولع في قلب أمينة.
في الصباح…
كانت ساحة القرية في كفر النور مليانة ناس، يوم احتفال كبير قدام البلدية.
محمود الجبلاوي، اللي بقى عمدة القرية، واقف على منصة بيرمي خطبة عن الشرف والعيلة والقيم.
الناس بتصفق له.
هو متجمل، لابس بدلة غالية، وصوته مليان كبرياء.
وفجأة…
الهمس بدأ ينتشر وسط الناس.
الزحام اتفتح.
وأمينة ظهرت.
ماشية ببطء… هدومها متربة، شعرها أبيض منكوش…
لكن عينيها كانت نار.
في إيديها الصندوق المفتوح…
وفي إيدها التانية رسائل الطفلة.
محمود الجبلاوي اتجمد فوق المنصة.
وشه اصفر فجأة.
"إنتي!!" صرخ وهو بيرتجف.
"دي مجرمة! اقبضوا عليها!"
اتنين من الحراس جريوا عليها.
لكن أمينة صرخت بصوت هز الساحة كلها:
"اقربوا مني… والبلد كلها هتتحول لجحيم النهاردة!
الناس سكتت.
هي رفعت الصندوق في الهوا:
"ده دليل الحقيقة!"
"دي بنتكم… ليلى… اللي دفنتوها وهي عايشة!"
صوت صراخ في الساحة.
الناس بدأت تقرأ الرسائل اللي وقعت على الأرض.
وجوههم اتغيرت من الصدمة للغضب.
الناس بدأت تهاجم المنصة.
الحراس فقدوا السيطرة.
محمود الجبلاوي وقع على ركبته وهو بيترعش.
وبعد ساعات…
السلطات وصلت.
العيلة كلها اتقبض عليها.
والحقيقة اتفضحت قدام البلد كلها.
لكن أمينة ما كانتش بتدور على انتقام…
رجعت للبيت المدفون في الغابة.
دفنت عظام ليلى بإيديها في حديقة صغيرة، وحطت صليب خشبي بسيط فوقها.
وبقت كل يوم تزرع ورد جنبه.
بعد شهور…
البيت اللي كان مقبرة… بقى بيت دافي مليان حياة.
وفي ليلة مطر شديد…
طفل صغير تايه دخل البيت.
وبعد ساعات… أهله لقوه قاعد جنب أمينة، بيشرب شاي دافي قدام النار.
قال لهم بابتسامة:
"بنت صغيرة لابسة أبيض هي اللي جابتني هنا… وقالتلي إن هنا في أمان."
أمينة ابتسمت
وبصت للزاوية الفاضية في الأوضة.
كأنها شافت ليلى واقفة هناك… مبتسمة…
وأخيرًا… مرتاحة.