وقفت في نص صاله المطبخ

لمحة نيوز

وقفت في نص صالة المطعم، والدنيا حولي كانت بتدور. صوت المزيكا الهادية والأجواء الفخمة في "الزمالك" كانت تناقض تام مع الصدمة اللي نازلة على دماغي زي المرزبة. أربع نسخ مني، أربع أطفال بياخدوا نفس الملامح، وبيمشوا بنفس الحركة اللي ورثتها عن أبويا. وأمهم... مريم. البنت اللي أقنعتني أمي من ست سنين إنها طمعت في فلوسنا واختفت بعد ما أخدت إيصال أموال، طلعت شغالها الدنيا في مطابخ المطاعم، وبتتحايل على مدير مطعم عشان تنيم عيالها في المخزن.
تليفوني ما بطلش يرن. اسم "الوالدة" كان بينور ويطفي على الشاشة زي جرس إنذار. كنسلت. المرة دي مش هرد، ولا هسمع نبرة السلطة والتحكم اللي عشت تحت رحمتها اتنين وتلاتين سنة.
مشيت ورا العربية الفاميه اللي كانت شايلاهم لحد ما وصلت للعماره اللي فيها الشقة في الزمالك. الشقة كانت هادية، الموبيليا الفخمة معروضة كأنها في معرض، مش مكان يعيش فيه بني آدمين. لما مريم دخلت ومعاها العيال، المكان اتغير في ثانية. الأربعة كانوا خايفين يلمسوا أي حاجة، واقفين جنب الباب والمطرة اللي بدأت تنزل بره بلت هدومهم اكتر.


"ادخلوا جوه.. حمام السباحة والصالة دفايين، وفيه هدوم في الدولاب جوه." صوتي كان ناشف، بس جواه شرخ مش عارف أداريه.
مريم بصتلي بنظرة كلها كبرياء مجروح، نفس Bصتها زمان لما كانت ترفض أصلًا أنزل معاه للكلية بسيلتي: "احنا مش محتاجين الشفقة يا سيف بيه. احنا بايتين هنا عشان العيال بردانين، وصبايا الصبح هنكون اختفينا من حياتك زي ما اختفينا زمان."
قربت منها خطوتين، والأربعة عيون عسلي فاتح اتسلطت عليا في نفس اللحظة.
"اختفيتوا؟" سألتها وبصوتي حسرة، "انتِ اللي اختفيتي يا مريم! انتِ اللي سبتيني بعد ما قلتيلي إنك حامل بتلات أيام! أمي جابتلي الشيك المترقم بتوقيعك، ورسالة بصوتك بتقولي فيها إن العيلة دي مش شبهك وإن الفلوس أحسنلك!"
مريم فتحت عينها على آخرهم، والصدمة هزت كيانها. الشفايف المرتعشة، ونظرة الذهول اللي ارتسمت على وشها كشفتلي اللعبة في ثانية قبل ما تنطق بكلمة واحدة.
"شيك؟ ورسالة؟" مريم ضحكت ضحكة مكسورة مليانة وجع، "أنا أمك جابتلي تلات رجالة الشقة، هددوني بيك وبحياتك لو ما مشيتش. قالولي إنك عارف كل حاجة وإنك انت اللي بعتهالي
عشان تخلص من المحاولة دي قبل ما تسافر أمريكا! وقالتلي إن لو الطفل ده نزل الشارع، مش هيشوف النور."
الدم اتجمد في عروقي.
"طفل؟" كchecked مريم وهي بتبص للأربعة، "أنا كنت فاكرة إنه طفل واحد.. لما رحلت على الصعيد عند خالتي واكتشفت إنهم أربعة توأم، كنت بموت كل يوم وأنا مش عارفة أوفرلهم لبن. ست سنين وأنا بشتغل باليومية في المscale، وبنضف البيوت عشان أطعم أربع بؤوق شايلين وش الراجل اللي دمرني!"
الكلمات كانت بتنزل عليا زي ضربات السكين. أمي... قدرية الهواري. الست اللي أدارت مجموعة الهواري بعد وفاة أبويا بإيد من حديد، هي اللي هندست الكدبة دي كلها. هي اللي أقنعتني إن حب عمري باعتني، وهي اللي دمرت حياة مريم وعيالي ست سنين كاملين عشان بس تناسب عيلة "الشاذلي" وتعمل الاندماج اللي كانت بتحلم بيه.
وفجأة، الباب الخارجي للشقة اتهز بصوت ضربات قوية ومفاجئة.
صوت حراس أمي الشخصيين كان جاد ومباشر من ورا الباب: "سيف بيه! الدكتورة قدرية تحت في العربية، وبتقول لحضرتك انزل فوراً عشان في مصيبة في الحفلة، والاستاذ رافت الشاذلي بيهدد بفسخ العقد!
"
بصيت لمريم، وللأربعة عيال اللي انكمشوا وراها. ياسين، الولد الأكبر، مسك في أيد أمه وبصلي بنفس التكشيرة الجادة اللي كنت بعملها وأنا صغير لما بأواجه الخطر.
فتحت الباب ببرود. كان واقف بره "عطية"، كبير حراس أمي اللي شغال معانا من عشرين سنة.
"سيف بيه..." عطية بدأ يتكلم، بس عينيه جت على مريم والعيال اللي وراها، ووشه اتغير فوراً. ملامحه اتجمدت، وكأنه شاف شبح.
"انت كنت عارف يا عطية؟" سألته بنبرة واطية بس مرعبة.
عطية نزل عينه في الأرض وما قدرش يرد.
"كنت عارف إن مريم كانت حامل؟ كنت عارف إنها جابت أربع عيال؟"
"والدتك... الهانم هي اللي أمرت يا بيه," عطية قال بصوت مرتعش، "قالتلي لو سيف عرف، الشركة هتقع والعيلة هتتشتت. الهانم كانت بتدفع لمريم مصاريف مستخبية من تحت لتحت عشان تفضل بعيدة عن القافلة، بس المرة دي مريم هربت وجت القاهرة..."
"يعني أمي كانت عارفة إنهم موجودين؟" الصدمة المرة دي كانت أشد. أمي مش بس حرمتني منهم، دي كانت عارفة بوجود أربع أحفاد ليها وسايباهم يعيشوا في الفقر والمخازن عشان الشو والصفقات!
طلعت تليفوني واتصلت
بـ "قدرية الهواري".

تم نسخ الرابط