رفع عمر المنشاوي الميداليه الفضه ببطء

لمحة نيوز

الجزء التاني
رفع عمر المنشاوي الميدالية الفِضّة ببطء بين صوابعه الطويلة اللي كانت بترتعش.
المعدن كان ساقع، بس الحروف المحفورة على ضهرها كانت كأنها بتحرق جلده:
“ع.م & س.ن”
القطعة الصغيرة دي، اللي ممكن أي حد يشوفها مجرد حُلية عادية، كانت بالنسبة له أغلى حاجة في ماضيه كله.
دي كانت الوعد الوحيد اللي سابه بإيده للمرأة الوحيدة اللي حبها بجد: سلمى نصار.
نفس الست اللي اختفت من غير أي أثر من سنتين بالظبط، وسابته غرقان في مرارة وجحيم ماعرفش يطلع منه، مخبّي وجعه ورا ملايين الجنيهات وقسوة خلت كل رجال الأعمال يخافوا منه.
«الميدالية دي… جِبتيها منين؟»
صوته ماكانش صوت رجل أعمال بارد وقاسي.
كان واطي، مخنوق، مليان وجع خلا الحاجة فاطمة—اللي كانت واقفة بعيد شوية—تحط إيديها على بُقها من الصدمة.
ليلى رجعت خطوة لورا، حاسة إن أرضية القصر بتنهار تحت رجليها.
«دي… دي آخر حاجة

سابتهالي أختي»
قالتها وهي بتتهته، ودموعها تقيلة ومستعدة تنزل.
«أختي الكبيرة… سلمى.
ماتت من شهرين يا فندم.
بعد ما مريم اتولدت، حصلها نزيف شديد، وماكانش معانا فلوس مستشفى كويسة.
ودّوها مستشفى حكومي ماكانش فيه علاج كفاية… وما استحملتش.»
الهوا المكيّف في الرواق الكبير اختفى فجأة.
عمر وقف مكانه، مش قادر يتنفس، كأن صاعقة ضربته وشطرته نصين.
الطفلة اللي شايلها في حضنه…
اللي من شوية كانت بتصرخ، ودلوقتي نايمة في هدوء على دقّات قلبه،
كانت بنت سلمى.
بنتُه هو.
بصّ في وش مريم كويس.
عيونها… نفس عيون عيلة المنشاوي.
دقنها… نفس العناد.
وشفايفها… نفس الابتسامة اللي كان بيحبها.
الطفلة دي ماكانتْش مجرد بنت أخت موظفة نظافة.
دي كانت دَمه.
«ليلى…»
قال اسمها لأول مرة، كأنه بيتعلّق بطوق نجاة.
«سلمى كانت حياتي كلها.
دوّرت عليها في كل حتة.
دفعت ملايين لمحققين.
ومن سنتين لقيت جواب
مطبوع، بتقولي فيه إنها بتكرهني ومش قادرة تعيش في عالمي.
لكن الميدالية دي…
أنا اللي لبستهالها الليلة اللي ركعت فيها قدّامها وطلبت منها تتجوزني في حديقة الأزهر.»
قبل ما ليلى تستوعب الكلام،
صوت كعب عالي خبط بعنف على الرخام وكسر اللحظة.
كانت داليا… خطيبة عمر الحالية.
ست متكبرة من علية القوم، لابسة ماركات أوروبية، وبصّتها مليانة احتقار يخنق المكان.
«عمر! إيه اللي بتعمله ده؟ شايل البتّ دي ليه؟!»
صرخت وهي مكشرة.
«يا حاجة فاطمة! ما قلتلكِ تطردي البت دي وعيّلها؟
بيوسّخوا البيت وضيّعوا عليّ صباح السبا!»
مدّت إيديها عشان تشد الطفلة،
لكن عمر لفّ فجأة، حامي مريم بجسمه، وبصّ لداليا نظرة سودا مليانة غضب خلتها ترجع لورا وتتلخبط.
«إياكي تلمسيها بإيدِك!»
زمجر بصوت رجّ القصر.
ليلى رفعت راسها فجأة.
الصوت ده…
عرفته.
«إنتِ…»
قالتها وهي مشيرة بإصبع بيرتعش، بس مش من خوف… من غضب
مكبوت.
«إنتِ الست اللي دخلت بيتنا من سنتين في عزبة السلام.»
وش داليا شحب فجأة.
«بتخرفي! أنا عمري ما دخلت مكان قذر زي ده!»
لكن ليلى كمّلت، وكأن وجع أختها إدّاها قوة جديدة:
«دخلتي بعربية سودا ومعاكي حراسة.
كسرتي باب البيت.
حدفتي فلوس في وش أختي وهي بتعيّط.
قولتي لها إن عمر بيكرهها، وبعتك تتخلصي منها.
وهددتي تقتلينا لو فكرت ترجع له!»
الصمت نزل تقيل.
عمر لفّ ببطء ناحية داليا.
كل حاجة فهمها.
الجواب.
الاختفاء.
فشل المحققين.
داليا.
«إنتِ اللي عملتي كده؟»
سأل بصوت واطي مرعب.
«ضيّعتي سلمى؟
ضيّعتي بنتي؟»
داليا ماعرفتش ترد.
ارتعاشها كان اعتراف.
«اطلعي برّه بيتي!»
صرخ عمر.
«وقسماً بالله أدفنك في السجن!»
جريت داليا وهي بتعيّط، كعبها اتكسر، وخرجت مهانة.
عمر وقع على ركبه، ماسك بنته وبيعيّط من قلبه.
«سامحيني يا سلمى…»
بعد شوية، وقف وبصّ لليلى:
«من اللحظة دي… إنتِ عيلتي.

وحق سلمى هيرجع.»
ليلى انهارت من العياط…
ومريم ابتسمت.
والميدالية…
بقت رمز لبداية جديدة.

تم نسخ الرابط