حماتي كل متشوفني حكايات بسمه
“ماما قالتلي آخد بقية الطلبات النهارده… أصل اللي أخدناه امبارح مكفاش.”
وقبل ما أرد…
طلعت حماتي من وراها وقالت بكل ثقة:
“ما تزعلوش… كل اللي في بيت ابني هو في الآخر حق ولادي.”
وساعتها، لأول مرة، قررت إن الرد المرة دي هيكون مختلف تمامًا….
حكايات بسمة
وقفت الكلمات في حلقي لثوانٍ معدودة. كان المشهد قدامي زي الكابوس: حماتي واقفة بكل جبروت وثقة ورا بنتها "نجلاء"، وبنتها شايلة نفس الشنطة البلاستيكية الكبيرة اللي خرجت بيها من بيتي إمبارح، وداخلين المطبخ ببرود ودون حتى ما يستأذنوا أو يستنوا مني رد!
جوزي "سامح" كان واقف في الصالة، خارج من أوضة النوم لسه بيلبس هدوم الشغل. أول ما شاف أمه وأخته والشنطة في إيديهم، وسمع الجملة المستفزة اللي قالتها أمه: "كل اللي في بيت ابني هو في الآخر حق ولادي"، اتجمد مكانه. وشه اتغير وغلبت عليه علامات الإحراج والارتباك الشديد قدامي.
حماتي مشيت بثقة ناحية التلاجة، وفتحت الدلفتين الكبار، وبدأت تمد إيدها بثبات عشان تسحب أكياس اللحمة المفرومة وعلب الجبن الجديدة اللي كنت لسه جايباها من السوبر ماركت بالليل بفلوسي وعرقي.
في اللحظة دي بالذات... حسيت إن السكوت اللي سكتُه على مدار سنين، والتغاضي اللي كنت بعمله عشان "أشتري دماغي وما أعملش مشاكل"، يتحول في ثانية واحدة لبركان غضب مصحوب بصلابة وكرامة رافضة للإهانة الاستغلالية دي!
قربت من التلاجة بخطوات سريعة وثابتة.
قبل ما إيد حماتي تلمس كيس اللحمة، مسكت باب التلاجة ورزعته بكل قوتي وقفلته في وشها!
الصوت كان عالي وهز المطبخ والصالة بره.
حماتي قفزت لورا باستغراب وذهول، وبنتها نجلاء اتراجعت خطوتين وهي حاطة إيدها على بؤها.
صرخت حماتي بوجهي وهي بتتظاهر بالصدمة والغضب:
— "إيه الجنان ده يا بت أنتِ؟! أنتِ بتفلي التلاجة في وشي؟! أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه?!"
بصيت لها بمنتهى الهدوء، لكن عيني كانت بتشع
— "لا يا طنط... أنا ما نسيتش نفسي. أنا افتكرت نفسي بس متأخر خمس سنين! التلاجة دي، والأكل ده، والبيت ده... مفتوحين من تعبي وشقايا وشقى ابنك. مش مفتوحين عشان يبقوا تموين مجاني ومطبخ ثاني لبيت بنتك نجلاء وزوجها المستريح!"
نجلاء وشها اصفر وبدأت تتلجلج وتصرخ:
— "إيه اللي بتقوليه ده يا مي؟! أنتِ بتعيريني بلقمة أكل؟! ماما بتجيبلي الحاجة بعطفها وكرمها من بيت أخويا!"
التفتّ لسامح جوزي اللي كان واقف عند باب المطبخ مش عارف يتصرف أو ينطق كلمة، وقلت له بصوت حاد يرن في الشقة كلها:
— "اتفضل يا سامح... اتفضل اسمع واشوف بعينك كرم والدتك اللي كنت بتقولي عليه 'دي أمي وسيباها براحتها وبتاخد لبيتها'! كرم أُمك بيتم على حساب شقانا، بتاخد شقى بيتك وولادك وتنقله بالشنط لبيت اختك وزوجها اللي قاعدين يضحكوا علينا وتوفر مصاريف بيتها على حساب قوت ولادنا!"
سامح قرب بخطوات ثقيلة، والنظرة اللي كانت في عينيه اتغيرت تماماً. الصدمة مكنتش بس في كلامي... الصدمة كانت في الحقيقة اللي حاول يهرب منها سنين عشان ما يواجهش أمه، لكنها بقت دلوقتي عريانة قدام عينيه ومفيش فيها أي مجال للهروب.
بص سامح لأمه وقال بصوت مبحوح ومليان كسرة وإحراج:
— "أمي... الكلام ده صح؟ الأكل اللي كنتِ بتاخديه كل أسبوع من هنا... مكنش لبيتك؟ كنتِ بتاخديه لبيت نجلاء ورامي زوجها?!"
حماتي حاولت تدور على كذبة أو تمثل دور المظلومة وتزعق:
— "وأنت مالك يا سي سامح؟! هتحاسب أُمك على قرشين وأكياس أكل؟! اختك جوزها ظروفه مضغوطة الفترة دي، وأنا أُم وبساعد بنتي! ولا عايزني أشوف بنتي محتاجة وأسيبها عشان ترضي المحترمة مراتك?!"
سامح صرخ بصوت هز أركان الشقة لأول مرة في حياته قدام أمه:
— "تساعدي أختي من جيبك ومن بيتك يا أمي! مش تدخلي بيت ابنك وتفرغي تلاجته وتسرقي قوت ولادي من ورايا ومن ورا مراتي وتديهولها وتخليني أطلع
نجلاء صرخت بغضب:
— "إحنا مش حرامية يا سامح! إحنا عيلتك!"
رد عليها سامح بنبرة قاسية وقطعية:
— "اللي ياخد حاجة مش بتاعته من غير إذن صاحبها وبطريقة التخفي ده بيعمل إيه يا نجلاء؟! اللي يخلي مراتي تشيل هم مصاريف البيت كل أسبوع وتصور التلاجة عشان تثبتلي إن أُمي بتضحك عليا... ده يبقى اسمه إيه?!"
فتح الملفات والتطهير الكامل:
حماتي لما لقيت إن سامح وقف في صف مراته بالكامل، وأن التمثيل والزعيق ما جابوش نتيجة، رمت الشنطة على الأرض وقعدت على الكرسي تصرخ وتلطم بالتمثيل:
— "آه ياني! يادي الفضيحة! ابني اللي ربيته وكبرته بيبديني عشان واحدة غريبة وتطرودني من بيته!"
أنا ما سكتش. دخلت أوضة النوم، وطلعت الملف الإداري والمصروفات اللي كنت بكتب فيها كل حاجة بالقرش. طلعت دفتر الفواتير وجيت وقفت في نص الصالة قدامهم هم الاثنين.
قلت لحماتي بمنتهى الثبات والوضوح:
— "أنا مش هطردك يا طنط... لكن من النهاردة التردد على بيتي بالشكل ده انتهى. الدفتر ده فيه حصر لكل جنيه اتصرف من يوم ما اتجوزنا... وفيه صور التلاجة اللي كنت باخدها كل أسبوع قبل وبعد زيارتك! كيس اللحمة، كيس الفراخ، وعلب الجبن اللي كنتِ بتاخديها بحجة 'إحنا أهل'... كانت بتعمل في الشهر أكتر من 4 آلاف جنيه طالعين لبيت نجلاء من غير وجه حق!"
بصيت لسامح وقلت له بثبات قاطع:
— "سامح... أنا صنت بيتك وعرضك ومالك طول خمس سنين، وما قصرتش في حق أمك ولا أختك في يوم. لكن إن كرامتي تتهاون، وقوت ولادي يتسرق عيناً جهاراً تحت مسمى 'إحنا أهل'، يبقى الحدود لازم تترسم بالمسطرة والقلم. أمك على راسنا تُحترم وتتزار ويكتفي بإكرامها كضيفة عزيزة في الصالة، لكن عتبة المطبخ والتلاجة دي خط أحمر مفيش مخلوق يلمسه غيري!"
سامح مسك إيدي قدامهم، وبص لأمه وأخته وقال بمنتهى الصرامة والوضوح:
— "كلام مراتي هو اللي يمشي يا أمي. بيتي مفتوح ليكي
نجلاء شالت شنطتها بغل شديد، ومسكت إيد أمها وقالت وهي بتجري ناحية الباب:
— "يلا يا ماما... البيت ده مبقاش لنا مكان فيه!"
خرجوا وقفزوا الباب وراهم، وساد الصوت في الشقة.
النهاية:
ساد الصمت في الشقة لعدة دقائق. سامح كان قاعد على الكنبة، حاطط وشه بين إيديه، حاسس بالخزي الشديد من الحركة اللي كانت بتعملها أمه من ورا ضهره طول السنين دي.
قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه بهدوء. رفع رأسه وبصلي بعينين مليانة اعتذار وندم:
— "أنا آسف يا مي... أنا أسف إني مكنتش بصدقك، وأسف إني خليتك تحسي إنك لوحدك في بيتك وتضطري تصوري التلاجة عشان تثبتي حقك. حقك عليا... أنتِ صنتي بيتي وأنا صغرتك."
ابتسمت له بهدوء وقلت له:
— "المهم إن الحق بان يا سامح... وإننا عرفنا نحط الحدود من غير ما نغضب ربنا ولا نقطع صلة الرحم."
من اليوم ده... تغيرت حياتنا تماماً.
حماتي عرفت إن بيتي له صاحبة وقوية ومش هتقبل بالاستغلال، وبقت لما تيجي تزورنا تقعد في الصالة معززة مكرمة، يتقدم لها أحسن واجيب وأحسن أكل بكل احترام، لكن من غير ما تمد إيدها على خزانة أو تلاجة.
ونجلاء اخت جوزي اضطرت هي وزوجها يعتمدوا على نفسهم ويتحملوا مسئولية بيتهم من غير ما يستنزفوا شقى غيرهم.
رجعت البركة لبيتنا، وتلاجتي بقت مليانة بفضل ربنا وببركة القرش الحلال اللي بيتصرف في مكانه الصح. ورأسي ظلت مرفوعة للسماء... اتعلمت واتعلم الجميع إن الطيبة مش معاناه العبيط ولا المسامحة معناه التفريط في الحقوق، وأن وضع الحدود الحازمة هو السند الوحيد اللي بيحمي البيوت وبيحفظ كرامة الزوجة واستقرار العيلة للابد.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً